الفصل 1

الفصل 1

1815 كلمة · ≈9 دقيقة قراءة

بين الحلم واليقضة

1000060985.png

لا أحد يسير فيه، ولا أثر لحياةٍ تُطمئن القلب.

وجدتُ نفسي أمشي وسط ذلك السكون المخيف، بينما كانت خطواتي تتردد فوق الأرض وكأنها الصوت الوحيد الباقي في هذا العالم. ومع كل خطوة، كان شعورٌ غريب يتسلل إلى داخلي.

لم يكن خوفًا فقط...

بل إحساسًا بأن هناك من يراقبني.

لم أره، ولم أسمع صوته، لكنني كنت أشعر بنظراته تلاحقني في كل حركة. كان يعدّ خطواتي، يراقب أنفاسي، وينتظر لحظةً لا أعرفها.

وكأنه شبحٌ لا يُرى...

يراني، بينما أعجز أنا عن رؤيته.

وفي تلك اللحظة، أدركت حقيقةً واحدة فقط...

قد أستطيع مواصلة هذا الطريق... لكنني لن أستطيع مواصلة حياتي.

تجمد الخوف في أعماقي، غير أن شيئًا آخر كان يقاومه...

الفضول.

ذلك الفضول الذي يدفع الإنسان إلى الاقتراب من الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، والذي يجعله يفتح أبوابًا كان من الأفضل أن تبقى مغلقة.

قد يكون الفضول طريقًا للنجاة...

وقد يكون بداية الهلاك.

حلّ الليل، وتمنيت لو أن الصباح يأتي قبل موعده. كنت أخشى الظلام، ليس لأنه يخفي الوحوش، بل لأنه يخفي الحقائق التي لا يجرؤ أحد على رؤيتها.

استسلمت للنوم...

لكن نومي لم يكن راحةً، بل بدايةً لكابوسٍ جديد.

استسلمت للنوم أخيرًا، لكن الظلام لم يحمل معه الراحة التي كنت أرجوها، بل قادني إلى عالمٍ آخر، عالمٍ لا أعرف إن كان حلمًا أم حقيقةً تتخفى خلف ستار الوهم.

وفجأة...

استيقظت مذعورًا على همساتٍ خافتة تتسلل إلى أذني، وكأنها تخرج من أعماقي لا من حولي. كانت كلماتها غير واضحة، لكنها تحمل نبرةً باردة جعلت جسدي يقشعر.

حاولت أن ألتفت ببطء نحو مصدر الصوت، بينما كانت دقات قلبي تتسارع بصورة لم أعهدها من قبل.

وما إن استدرت حتى سمعت الهمسة الأخيرة، أكثر وضوحًا من سابقتها:

"هذا... يومك الأخير."

تجمدت في مكاني، وشعرت بأن أنفاسي قد اختفت. حاولت أن أصرخ، لكن صوتي خانني.

وفي اللحظة التالية...

غاب كل شيء.

...

عندما فتحت عيني، كانت أشعة الشمس تتسلل عبر نافذة الغرفة، بينما امتزجت زقزقة العصافير برائحة التراب بعد ليلةٍ عاصفة. للحظة، ظننت أن ما حدث لم يكن سوى حلمٍ مزعج.

لكن...

لماذا بدا كل شيء غريبًا؟

جلست على سريري أحاول استرجاع ما حدث في الليلة الماضية، إلا أن ذكرياتي كانت مشوشة، وكأن أحدًا انتزع أجزاءً منها وترك لي بقايا مبعثرة لا تكفي لفهم الحقيقة.

تمتمت بصوتٍ خافت:

"هل كان مجرد حلم... أم أنني عشت شيئًا لا أستطيع تفسيره؟"

نهضت ببطء، وما زال القلق يثقل صدري، ثم ناديت بصوتٍ اعتدت أن يملأ أرجاء المنزل كل صباح:

ــ أمي... أين أنتِ؟

ساد الصمت.

انتظرت جوابًا... لكن لم يصلني شيء.

ناديت مرةً أخرى، بصوتٍ أعلى هذه المرة، إلا أن المنزل بقي ساكنًا، وكأنه فقد الحياة بين ليلةٍ وضحاها.

في العادة، كنت أستيقظ على صوت أمي وهي تتحرك في المطبخ، وعلى الضجيج الذي يجعل البيت يبدو دافئًا ومألوفًا.

أما اليوم...

فكان كل شيء ساكنًا بصورةٍ مخيفة، حتى إنني شعرت بأن الجدران نفسها تخفي سرًا لا تريد البوح به.

وقف رامي في منتصف الصالة، وعيناه تجولان بين الغرف في حيرةٍ لا تنتهي. كان الصمت يلتهم المكان شيئًا فشيئًا، حتى أصبح سماع أنفاسه أكثر وضوحًا من أي صوتٍ آخر.

همس لنفسه وهو يهز رأسه بعدم تصديق:

"لا... لا بد أن هناك تفسيرًا لكل هذا."

وقبل أن يخطو خطوةً أخرى...

رنّ هاتف المنزل.

كان رنينه حادًا، اخترق سكون البيت كالسهم، حتى ارتجف رامي دون أن يشعر.

تقدم نحوه ببطء، ثم رفع السماعة، بينما كانت يده ترتجف.

ــ ألو...

جاءه صوتٌ يعرفه جيدًا.

ــ أهلًا يا رامي.

اتسعت عيناه، وانفرجت أساريره للحظة.

ــ أمي! أين أنتِ؟ لقد بحثت عنك في كل أنحاء المنزل. ظننت أن مكروهًا قد أصابك. هل أنتِ بخير؟

ساد صمتٌ قصير، ثم جاءه صوتها ممتزجًا بالاستغراب.

ــ رامي... ما بك؟ ألم أخبرك البارحة أنني سأقضي بضعة أيام خارج المدينة؟

ظل صامتًا للحظات، يحاول استيعاب كلماتها.

خارج المدينة؟

لماذا لا يتذكر ذلك؟

أجاب بصوتٍ مرتبك:

ــ نعم... نعم... تذكرت الآن. يبدو أنني كنت منشغلًا بالدراسة، لذلك نسيت.

ضحكت أمه بخفة، لكنها سرعان ما قالت بنبرةٍ مليئة بالتعجب:

ــ دراسة؟ أي دراسة يا رامي؟ أنت أنهيت دراستك منذ سنوات.

ساد الصمت.

شعر رامي وكأن الكلمات سقطت فوق رأسه كصاعقة.

منذ سنوات؟

بدأت أنفاسه تضطرب، وتسارعت دقات قلبه، لكنه حاول ألا يكشف ارتباكه.

قال بعد تردد:

ــ أقصد... أنني أتعلم بعض الأشياء الجديدة، لا أكثر.

أجابت أمه بهدوء:

ــ حسنًا... المهم أن تعتني بنفسك. اتصلت فقط لأطمئن عليك.

ثم صمتت لثوانٍ، قبل أن تضيف:

ــ ولا تنسَ أن تتناول دواءك هذا الصباح.

تجمد رامي في مكانه.

دوائي؟

فتح فمه ليطرح عشرات الأسئلة، لكن الخط انقطع قبل أن ينطق بحرفٍ واحد.

أنزل السماعة ببطء، وظلت الكلمة تتردد داخل رأسه...

دوائي...

أي دواء؟

ولماذا لا يتذكره؟

ولماذا تشعر أمه أن الأمر طبيعي، بينما يبدو له غريبًا إلى هذا الحد؟

نظر حوله، وكأن المنزل لم يعد منزله، وكأن الجدران تخفي أسرارًا تعرفها جميعًا... إلا هو.

وفي تلك اللحظة، أدرك أن ما يعيشه ليس مجرد حلمٍ عابر.

كان هناك شيءٌ ما...

شيءٌ خفي، يعبث بذاكرته، ويسرق منه الحقيقة قطعةً بعد أخرى.

ظل رامي واقفًا في مكانه، وعيناه معلقتان بسماعة الهاتف، كأنها ستجيبه عن الأسئلة التي بدأت تنهش عقله.

أي دواء؟

كان يحاول أن يتذكر، لكن ذاكرته بدت ككتابٍ مُزقت صفحاته، فلم يبقَ منها سوى عباراتٍ مبعثرة لا تكفي لفهم الحقيقة.

أخذ يتنفس بصعوبة، ووضع يديه على رأسه، ثم قال بصوتٍ يكاد يختنق:

"ما الذي يحدث لي؟ لماذا أشعر أنني فقدت جزءًا من حياتي؟"

دار بعينيه في أرجاء المنزل، لكنه لم يرَ سوى الفراغ.

وفجأة...

انبعث صوتٌ خافت من خلفه.

ــ لا تخف...

تجمد جسده بالكامل.

لم يلتفت مباشرة، بل بقي واقفًا، وكأن الخوف قيّد حركته.

عاد الصوت مرةً أخرى، أكثر هدوءًا هذه المرة:

ــ لا تقلق... لن أؤذيك.

استدار رامي بسرعة، لكن الصدمة كانت أكبر مما توقع...

لم يكن هناك أحد.

اتسعت عيناه، وأخذ يدور في المكان باحثًا عن مصدر الصوت، إلا أن المنزل كان خاليًا تمامًا.

قال بصوتٍ مرتجف:

ــ من هناك؟! أظهر نفسك!

ساد الصمت للحظات...

ثم عاد الصوت من جديد، وكأنه قريب جدًا من أذنه.

ــ اسمي... أرين.

ارتبك رامي، وأخذ يتراجع خطوةً إلى الخلف.

ــ من أنت؟! وماذا تريد مني؟

أجاب الصوت بنبرةٍ هادئة، لكنها حملت شيئًا من السخرية:

ــ لا أريد إيذاءك... أنا هنا لأن فضولك هو من استدعاني.

قطب رامي حاجبيه، وقال بغضب:

ــ فضولي؟ ماذا تقصد؟

ضحك أرين ضحكةً قصيرة، ثم قال:

ــ منذ أن بدأت تطرح الأسئلة... منذ أن رفضت تصديق ما تراه... فتحت الباب بنفسك.

أنت تبحث عن الحقيقة...

وأنا أعرفها.

ابتلع رامي ريقه بصعوبة، ثم قال:

ــ إذًا أخبرني... ماذا يحدث لي؟

لم يجب أرين مباشرة، بل ساد صمتٌ طويل، قبل أن يقول بصوتٍ منخفض:

ــ وهل أنت متأكد... أنك تريد معرفة الحقيقة؟

تردد رامي للحظة، لكنه أجاب بثبات:

ــ نعم.

ضحك أرين مرةً أخرى...

لكن ضحكته هذه المرة كانت باردة، حتى إنها جعلت جسد رامي يقشعر.

ــ الحقيقة يا رامي... ليست دائمًا نعمة.

أحيانًا...

تكون لعنةً يتمنى الإنسان لو أنه بقي جاهلًا بها.

تراجع رامي خطوةً إلى الوراء، بينما كانت أنفاسه تتسارع بصورةٍ لم يستطع السيطرة عليها. حاول أن يقنع نفسه بأن كل ما يسمعه ليس سوى أوهامٍ صنعها الخوف، لكن ذلك الصوت كان يبدو حقيقيًا أكثر من أي شيءٍ حوله.

قال وهو يحاول أن يبدو ثابتًا:

ــ إن كنت تعرف الحقيقة... فأخبرني من أنا؟

ساد صمتٌ قصير، ثم أجاب أرين بهدوء:

ــ هذا هو السؤال الخطأ.

عقد رامي حاجبيه.

ــ ماذا تعني؟

ــ الجميع يقضي حياته يبحث عن اسمه، أو ماضيه، أو المكان الذي ينتمي إليه... لكن قلةً فقط تسأل السؤال الصحيح.

ــ وما هو؟

انخفض صوت أرين حتى كاد يختفي.

ــ من الذي صنع الشخص الذي تظن أنك أنت؟

ارتجف رامي.

كانت الكلمات بسيطة، لكنها ضربت شيئًا عميقًا داخله.

قال بانفعال:

ــ كفى ألغازًا! أجبني بوضوح.

ضحك أرين بخفة، ثم قال:

ــ لو أخبرتك بكل شيء الآن... لانتهت قصتك قبل أن تبدأ.

قبض رامي يديه بغضب.

ــ إذًا لماذا ظهرت لي؟

ــ لأن الوقت بدأ ينفد.

ــ أي وقت؟

ــ الوقت الذي يفصل بين الحقيقة... والوهم.

ساد الصمت من جديد.

ثم قال أرين بصوتٍ بدا هذه المرة أكثر جدية:

ــ أخبرني يا رامي...

متى كانت آخر مرة شعرت فيها أنك تتذكر حياتك كاملة؟

فتح رامي فمه، لكنه لم يجد جوابًا.

حاول أن يستعيد أي ذكرى واضحة...

طفولته...

دراسته...

أصدقاءه...

لكن كل شيء بدا ضبابيًا، وكأن أحدًا انتزع من ذاكرته السنوات وترك له صورًا ممزقة لا تكتمل.

رفع يده إلى رأسه وهو يهمس:

ــ لماذا... لا أتذكر؟

قال أرين:

ــ لأنك لا تتذكر ما سُمح لك أن تتذكره.

نظر رامي حوله بذهول.

ــ من فعل هذا بي؟

لم يجبه أرين.

بل اكتفى بجملةٍ واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقه:

ــ ابدأ بالبحث داخل منزلك... ففيه أول كذبة عشتها.

وقبل أن ينطق رامي بأي كلمة...

اختفى الصوت.

عاد الصمت من جديد، وكأن أرين لم يكن موجودًا أصلًا.

لكن هذه المرة...

لم يكن رامي خائفًا فقط.

بل أصبح مقتنعًا بأن منزله يخفي سرًا أكبر مما كان يتخيل.

رفع رأسه، وأخذ ينظر إلى الجدران، إلى الصور، إلى الأثاث، إلى كل زاوية مرّ بها مئات المرات دون أن ينتبه إليها.

ثم قال لنفسه بصوتٍ حاسم:

"إذا كانت الحقيقة مختبئة هنا... فسأجدها، مهما كان الثمن."

ألقى رامي نظرةً أخيرة على المكان الذي سمع منه صوت أرين، ثم زفر ببطء، محاولًا إقناع نفسه بأن الخوف لن يقوده إلى أي إجابة.

إن كانت الحقيقة موجودة فعلًا...

فلن تأتي إليه، بل عليه أن يبحث عنها بنفسه.

بدأ يتجول في أرجاء المنزل للمرة الأولى، لا كساكنٍ يعرف كل زاوية فيه، بل كغريبٍ دخله للتو. كانت الجدران مغطاة بصورٍ قديمة، إلا أن شيئًا غريبًا فيها لفت انتباهه؛ معظم الوجوه كانت مطموسة أو باهتة، وكأن الزمن تعمد إخفاء أصحابها.

توقف للحظة أمام إحدى الصور.

حدق فيها طويلًا...

كان يشعر أنه يعرف ذلك الشخص، لكنه لم يستطع تذكر اسمه.

ابتعد عنها وهو يتمتم:

"حتى ذكرياتي أصبحت غريبة..."

واصل البحث، متنقلًا بين الغرف واحدةً تلو الأخرى.

كل شيء بدا طبيعيًا...

لكن ذلك "الطبيعي" كان يخفي شعورًا مزعجًا، شعورًا بأن المنزل يراقبه كما كان الطريق يراقبه في تلك الليلة.

دخل المطبخ...

ثم غرفة الجلوس...

ثم غرفته...

ولم يجد شيئًا يفسر ما يحدث.

وقبل أن يفقد الأمل، لاحظ بابًا خشبيًا في نهاية الممر.

اقترب منه ببطء.

حاول فتحه...

لكنه كان مغلقًا بإحكام.

أمسك بالمقبض مرةً أخرى، وضغط بقوة، إلا أن الباب لم يتحرك ولو سنتيمترًا واحدًا.

تراجع خطوة وهو يحدق فيه باستغراب.

"لمن هذه الغرفة؟"

حاول أن يتذكر...

لكن ذاكرته خانته مرةً أخرى.

لم يكن يعلم لماذا لم يلاحظ هذا الباب من قبل، ولا لماذا يشعر بأن خلفه سرًا لا ينبغي اكتشافه.

وبينما كان يحدق في القفل، مرّ خاطرٌ سريع في ذهنه...

"ليس الآن..."

لم يعرف من أين جاءت تلك الفكرة، لكنها كانت قويةً بما يكفي ليبتعد عن الباب دون مقاومة.

استدار، وأكمل تفتيش المنزل.

وهنا لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه سابقًا.

الكتب...

كانت في كل مكان.

لم تكن موضوعة داخل مكتبةٍ واحدة، بل كانت تملأ الرفوف والطاولات، وحتى زوايا المطبخ.

اقترب منها بفضول، ثم بدأ يتأملها.

في البداية ظن أنها مجرد كتبٍ عادية...

لكن بعد لحظات، أدرك أن بينها أمرًا غير مألوف.

جميعها مقسمة إلى ثلاث مجموعات فقط.

كتبٌ ذات أغلفة حمراء...

وأخرى سوداء...

وثالثة خضراء.

لم يكن بينها أي لونٍ آخر.

قطب حاجبيه وهو يهمس:

"لماذا هذه الألوان تحديدًا؟"

مد يده نحو أحد الكتب الحمراء، لكنه توقف قبل أن يلمسه، وكأن شيئًا في داخله كان يحذره.

ورغم ذلك...

انتصر الفضول.

أمسك بالكتاب ببطء، ثم أزاح الغبار عن غلافه.

لم يكن يحمل عنوانًا...

ولا اسم مؤلف...

ولا أي رمز يدل على هويته.

كان مجرد غلافٍ أحمر قاتم، يشبه لون الدم بعد أن يجف.

ابتلع رامي ريقه بصعوبة.

ثم فتح الصفحة الأولى...

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد