الفصل 1

الفصل 1

3430 كلمة · ≈17 دقيقة قراءة

الفصل الأول

الحافلة رقم 45

كان شتاء القاهرة عام 1996 باردًا بطريقة لم يعد يوسف يتذكر مثلها بعد سنوات.

ربما لم يكن الشتاء نفسه أكثر برودة.

ربما كان هو الذي كان أصغر.

في الثالثة والعشرين، كان البرد يدخل إلى الإنسان بسهولة أكبر؛ من أطراف أصابعه، من ياقة المعطف، من الفراغات الصغيرة بين أزراره، ثم يستقر في صدره كأنه جزء من الطقس.

في ذلك الصباح، كانت السماء رمادية.

لم تكن تمطر بغزارة، لكنها لم تكن تتوقف أيضًا.

رذاذ خفيف ومستمر يلمع فوق السيارات، ويترك على الأرصفة طبقة رقيقة من الماء تعكس أضواء المحلات القديمة.

كانت القاهرة تستيقظ ببطء.

بائع الجرائد يرفع المظلة فوق رأسه.

صاحب المقهى يجر الكراسي إلى الخارج.

عامل المخبز يخرج أول صوانٍ الخبز.

وسائقو الحافلات يتعاملون مع الصباح كأنه خصم قديم لا بد من مواجهته كل يوم.

وقف يوسف في موقف الحافلات وهو يحتضن كاميرته تحت معطفه.

كانت الكاميرا من نوع زينيت روسية الصنع، ثقيلة أكثر مما ينبغي، وقديمة أكثر مما يسمح به ذوق المصورين الجدد.

لكنه أحبها.

اشتراها مستعملة بعد أن ظل يوفر جزءًا من راتبه لعدة أشهر.

لم تكن مجرد كاميرا بالنسبة إليه.

كانت أول شيء اشتراه من أجل نفسه.

رفع عينيه عندما ظهرت الحافلة رقم 45 في آخر الشارع.

تنهد.

وقال لنفسه:

ـ ربنا يستر.

لم يكن يحب هذه الحافلة.

كانت قديمة، ومقاعدها خشبية في بعض الأماكن، والنوافذ لا تغلق جيدًا، والمحصل يتعامل مع الركاب كما لو أنهم جميعًا مسؤولون عن أعطالها.

لكنها كانت توصله إلى المكان الذي يعمل فيه.

صعد.

دفع الأجرة.

ثم اتجه إلى المقعد الأخير.

كان المقعد الذي يفضله دائمًا.

ليس لأنه أكثر راحة.

بل لأنه يسمح له برؤية الجميع.

يوسف كان يحب مراقبة الناس.

لم يكن يراهم كما يراهم الآخرون.

الرجل الذي يقرأ الجريدة لم يكن بالنسبة إليه مجرد رجل يقرأ الجريدة.

كان رجلًا يخفي شيئًا خلف الصفحة الثالثة.

والمرأة التي تحمل كيس الخبز ليست مجرد امرأة عائدة إلى بيتها.

كانت شخصًا له حياة كاملة لا يعرف عنها شيئًا.

والطفل الذي يضغط أنفه على زجاج النافذة قد يكون بعد عشرين عامًا رجلًا لا يتذكر أصلًا أنه وقف هنا في صباح بارد من عام 1996.

وهذا بالضبط ما كان يخيف يوسف.

أن تمر الأشياء الجميلة والعادية من أمام الإنسان دون أن ينتبه إليها أحد.

لذلك كان يصورها.

أخرج الكاميرا.

نظر عبر النافذة.

رأى بائع جرائد.

رفع الكاميرا.

كليك.

التقط الصورة.

ثم رأى طفلًا يقفز فوق بركة مياه.

كليك.

ثم امرأة في الأربعين تقريبًا تشد معطفها حول كتفيها بينما تحمل كيس خبز يخرج منه بخار ساخن.

كليك.

ابتسم.

وضع الكاميرا جانبًا.

كان يعمل في محل صغير لتحميض الصور في وسط البلد.

محل ضيق، بالكاد يتسع لثلاثة أشخاص، يملكه رجل خمسيني اسمه فؤاد.

كان فؤاد دائمًا يقول له:

ـ إنت بتصور حاجات محدش بيصورها.

وكان يوسف يجيبه:

ـ عشان الحاجات اللي الناس بتصورها، الناس كلها هتفضل فاكرها.

فيرد فؤاد:

ـ وإنت فاكر إنك هتنقذ القاهرة يعني؟

فيضحك يوسف.

لكنه في داخله كان يعرف أن فؤاد ربما يسخر منه، وربما كان هو نفسه لا يعرف ماذا يريد.

كل ما يعرفه أنه لا يريد أن يعيش حياة عادية دون أن يترك خلفه شيئًا.

لم يكن يريد الشهرة.

ولا المال.

كان يريد فقط أن يشعر أن الأيام التي مرت به لم تمر بلا أثر.

توقفت الحافلة فجأة.

صدر صوت معدني حاد من مقدمتها.

ثم اهتزت بعنف.

تعالت أصوات الركاب.

ـ يا أسطى بالراحة!

ـ هو إحنا رايحين فين؟

ـ يا ابني سوق على مهلك!

ابتسم يوسف.

ثم رفع يده ليحمي الكاميرا.

لكن قبل أن يستعيد توازنه، سقط شيء من الرف العلوي.

حقيبة.

حقيبة قماشية رمادية.

هبطت مباشرة فوق ساقه.

سمع صوتًا أنثويًا مرتبكًا:

ـ أنا آسفة جدًا!

رفع رأسه.

وهنا...

رآها.

كانت تقف أمامه، ممسكة بمقبض المقعد بيد، وباليد الأخرى تحاول الإمساك بالحقيبة.

معطف رمادي طويل.

شال كحلي ملفوف حول عنقها.

وشعر أسود خرجت منه خصلات صغيرة بسبب الرطوبة.

لم تكن جميلة بالطريقة التي تجعلك تتوقف فورًا.

كانت أهدأ من ذلك.

وجهها لم يكن يطلب الانتباه.

لكن عينيها فعلتا.

واسعتان.

مرتبكتان.

وفيهما شيء لم يستطع يوسف أن يفسره وقتها.

قال:

ـ ولا يهمك.

انحنى والتقط الحقيبة.

مدها إليها.

ـ الحافلة كلها تقريبًا كانت هتقع.

ابتسمت.

ـ برضه أنا السبب.

ـ واضح إن الحافلة مستنياكي من الصبح.

ضحكت.

ضحكة قصيرة جدًا.

ثم أخذت الحقيبة.

وفي اللحظة نفسها تحركت الحافلة.

تعلقت يدها بالمقعد.

وتمايل جسدها قليلًا.

قال يوسف:

ـ خلي بالك.

ـ حاضر.

كان يمكن أن تنتهي اللحظة هنا.

كان يمكن أن تكون مجرد فتاة صادفها في حافلة.

كان يمكن أن ينزل كل منهما في محطته، وينسى الآخر قبل نهاية اليوم.

لكن شيئًا صغيرًا سقط من حقيبتها.

ارتطم بالأرض.

وتدحرج حتى استقر تحت حذاء يوسف.

انحنى.

أمسكه.

كان شريط كاسيت أسود.

أدار الشريط بين أصابعه.

وعلى الملصق الأبيض، بخط يد أنيق، كُتبت جملة واحدة:

«أغنيات الهامش... وحكايات لم تُحكَ بعد.»

رفع يوسف عينيه إليها.

تغير وجهها.

لم تعد الفتاة المبتسمة التي اعتذرت منذ لحظات.

بدت فجأة كأن أحدًا فتح بابًا خلفها وكشف شيئًا لا تريد لأحد أن يراه.

مدت يدها.

ـ ده بتاعي.

ناولها إياه.

ـ اتفضلي.

أخذته بسرعة.

وضمته إلى الحقيبة.

ثم نظرت إليه للحظة.

ـ شكرًا.

ـ العفو.

جاء صوت المحصل من مقدمة الحافلة:

ـ الجيزة! الجيزة يا جماعة!

تحرك الناس.

ازدحمت الممرات.

تداخلت الأصوات.

معاطف.

مظلات.

حقائب.

أكتاف.

وأيدٍ تبحث عن طريق للخروج.

نزلت الفتاة.

وقبل أن تختفي تمامًا، التفتت.

لم يكن يوسف يعرف هل كانت تنظر إليه أم إلى الحافلة.

لكن عينيها التقتا بعينيه.

ثانية واحدة.

ثم اختفت.

ظل واقفًا.

نظر من النافذة.

رآها تعبر الرصيف.

ثم ابتلعها الزحام.

جلست الحافلة من جديد.

أخذ يوسف نفسًا طويلًا.

ثم عاد إلى مقعده.

أخرج الكاميرا.

لكنه لم يصور شيئًا.

لأول مرة منذ وقت طويل، كان أمامه شيء لا يريد أن يصوره.

كان يريد أن يتذكره فقط.

مرت عشر دقائق.

ثم عشرون.

كان ينظر إلى الشارع دون أن يراه.

حتى أدخل يده في جيبه ليتأكد من وجود تذكرة الأجرة.

توقفت أصابعه.

هناك شيء آخر.

أخرجه.

تجمد.

شريط كاسيت.

أسود.

نفس النوع.

نفس الحجم.

لكن هذه المرة لم يكن عليه أي كتابة.

نظر إليه طويلًا.

ثم نظر حوله.

ربما كان شريطها.

ربما سقط دون أن ينتبه.

لكن الشريط الذي التقطه تحت حذائه كان قد عاد إليها.

فكيف وصل هذا إلى جيبه؟

قلبه.

لا اسم.

لا عنوان.

لا شيء.

فقط ملصق أبيض فارغ.

أعاد النظر إلى النافذة.

كانت القاهرة تتحرك أمامه.

لكن شيئًا في داخله كان قد توقف.

ضم الشريط إلى كفه.

وقال لنفسه:

ـ هارجعه لها.

ثم بعد لحظة:

ـ لو لقيتها.

ابتسم ساخرًا من نفسه.

كيف سيجد فتاة لا يعرف اسمها؟

لا يعرف عنوانها.

ولا تعرف عنه سوى أنه شاب جلس في المقعد الأخير من الحافلة.

وضع الشريط في جيبه الداخلي.

ولم يعرف، وهو يفعل ذلك، أن تلك الحركة الصغيرة ستغير حياته بالكامل.

---

في المساء، عاد يوسف إلى البيت.

كان البيت في أحد الشوارع القديمة، شقة صغيرة يعيش فيها مع والده منذ سنوات.

أضاء المصباح.

وضع حقيبته.

خلع المعطف.

ثم جلس على حافة السرير.

والشريط لا يزال في جيبه.

دخل والده الغرفة.

كان رجلًا هادئًا، قليل الكلام.

نظر إليه.

ـ مالك؟

رفع يوسف رأسه.

ـ مفيش.

ـ شكلك سرحان.

ـ يوم طويل.

ابتسم والده.

ـ الشغل؟

ـ لأ.

ـ أمال؟

تردد يوسف.

ثم قال:

ـ قابلت واحدة في الحافلة.

رفع والده حاجبه.

ـ واحدة؟

ضحك يوسف.

ـ مش زي ما إنت فاكر.

ـ وأنا فاكر إيه؟

ـ ولا حاجة.

خرج والده.

ظل يوسف وحده.

نظر إلى الشريط.

ثم إلى جهاز التسجيل القديم الموضوع فوق المكتب.

مد يده.

توقف.

سحبها.

ثم مدها مرة أخرى.

ضغط Play.

صدر صوت الطقطقة الميكانيكية.

دار الشريط.

ثانية.

ثانيتان.

ثلاث.

ثم...

صوت امرأة.

هادئ.

قريب.

كأنه خرج من الغرفة نفسها.

قال:

> «إذا كنت تسمع هذا الشريط... فأنا لا أعرفك.»

ثبت يوسف مكانه.

تابع الصوت:

> «وربما هذا أفضل.»

اقترب من الجهاز.

> «لأنني أستطيع أن أقول لشخص لا يعرفني أشياء لا أستطيع قولها لمن يعرفني.»

لم يتحرك.

لم يرمش تقريبًا.

كانت هناك مسافة ثلاثون عامًا بين هذا الصوت وبين اللحظة التي كان يسمعه فيها.

لكنه لم يكن يعرف ذلك بعد.

كل ما عرفه في تلك الليلة...

أن فتاة مجهولة تركت صوتها داخل شريط.

وأن هذا الصوت، بطريقة لا يفهمها، كان يبحث عن شخص يسمعه.

وكان يوسف هو ذلك الشخص.

وللمرة الأولى، بدأ الشريط يدور.

الفصل الثاني: الوجه الآخر للشريط

1. افتتاحية الفصل — الشريط لا يتوقف

ظل يوسف جالسًا في عتمة الغرفة، وصوت المطر في الخارج يتردد بانتظام رتيب، بينما مسجل الكاسيت الياباني يواصل دورانه. الصوت النسائي الدافئ لم يتوقف عند حدود الشكوى، بل امتد ليعمق الغموض:

> "إذا كنت تسمع هذا الشريط الآن.. فأنا لا أعرف إن كان سيصل إليك أصلًا، ولا أعلم متى ولا كيف. هذه الكلمات ليست موجهة لشخص بعينه، وليست رسالة أرجو منها ردًا.. إنها مجرد صوت أتركه للريح، أو لشخص ما.. قد يملك قلبًا فارغًا بما يكفي ليسمعني يومًا."

توقف يوسف مذهولًا. طاف بذهنه سؤال أثقل صدره: لماذا تُسجل فتاة مجهولة كلامًا لرجل لا تعرفه؟ هل هي رغبة في البث في وجه الفراغ، أم أنها كانت تنتظر أحدًا ما، فخانها الانتظار؟

2. صاحبة الصوت تبدأ في كشف نفسها

تدريجيًا، وبكل جملة كانت تنطقها، بدت ملامح صاحبة الصوت تتشكل في خيال يوسف وكأنها مرسومة بالضوء الباهت:

تحب الأغاني القديمة التي تحمل رائحة الحنين.

تحتفظ بأشياء يبدو للأخرين بلا قيمة: تذاكر سينما قديمة، أوراق ملاحظات ممزقة، وزهور جافة.

تخشى بشدة أن يمحو الزمن التفاصيل الصغيرة.

لا تثق بسهولة في المحيطين بها، وتجد العزلة أمانًا مؤقتًا.

لديها عادة قديمة: حين تعجز عن البوح بما في صدرها لمن تعرف، تسجله على شريط كاسيت ليبقى حيًا.

لكنها طوال الوقت لم تذكر اسمها قط. وفي منتصف حديثها، أطلقت جملة استقرت في عقل يوسف كأنها نقشٌ على حجر:

> "أنا مش بخاف من إن الناس تعرفني.. أنا بخاف إن حد يعرفني غلط."

3. أول لغز حقيقي

وسط خفوت التسجيل، ذكرت عرضًا مكانًا مألوفًا:

> "لو رجعت للمكان اللي كنا بنقعد فيه زمان.. هتلاقي إن الكرسي اللي جنب الشباك لسه بيفضل فاضي."

انتفض يوسف في جلسته. السينما القديمة في وسط البلد. المكان الذي مر عليه مئات المرات في طريقه إلى محل التحميض. شعور غريب سرى في مفاصله؛ هذا لم يعد مجرد شريط عثر عليه صدفة، بل يبدو كخريطة خفية تتكشف خيوطها تدريجيًا.

4. التسجيل ينتهي قبل أهم معلومة

مد يده يترقب النهاية، فقد اقترب الصوت من مقطع حاسم:

> "ولو في يوم سمعت الشريط ده من الشخص اللي..."

فجأة، انقطع الكلام. صدر صوت احتكاك معدني حاد، ثم أزيز مزعج، تلاه صمت مطبق. استمر الشريط في الدوران بلا صوت.

ضغط يوسف على زر الإيقاف، ثم أخرج الشريط، قلبه، وأعاده بحذر، لكن الوجه الثاني كان فارغًا تمامًا من أي تسجيل. لأول مرة، لم يشعر بالفضول فحسب، بل بشيء أشبه بالرهبة؛ هناك حلقة مفقودة، ليس فقط في الشريط، بل في القصة بأكملها.

5. صباح اليوم التالي

في صباح اليوم التالي، وصل يوسف إلى محل التحميض متأخرًا ومجهدًا. لم يكد يضع كاميرته على الطاولة حتى لاحظ فؤاد شروده التام.

ـ مالك يا ابني؟ إنت من إمبارح مش معانا خالص.

ابتسم يوسف بابتسامة باهتة، محاولًا إخفاء ارتباكه:

ـ ولا حاجة يا عم فؤاد.. لقيت شريط كاسيت غريب امبارح وأنا راجع في الحافلة.

سخر فؤاد وهو ينفخ دخان سيجارته:

ـ شريط؟ هو إحنا لسه عايشين في التسعينيات؟ ما خلاص الزمن اتغير.

لم يناقشه يوسف، بل سأله بهدوء:

ـ قول لي يا عم فؤاد.. السينما القديمة اللي في شارع البورصة.. كان ليها حكاية زمان؟

تغير ملامح فؤاد قليلًا، وظهر في عينيه لمعان غامض، لكنه قال باقتضاب:

ـ الأماكن القديمة دي ليها حكايات كتير يا يوسف.. بس مش كل حكاية تستاهل إننا نفتش فيها.

وترك الجملة معلقة في الهواء، زارعةً أول شك حقيقي في أن فؤاد يعرف أكثر مما يظهر.

6. أول محاولة للبحث عنها

في استراحة الغداء، عاد يوسف إلى موقف الحافلات. راح يتأمل الأرصفة، ويدقق في وجوه المارة، محاولًا استعادة تفاصيل الفتاة: الحقيبة الرمادية، المعطف الطويل، الشال الكحلي، ونبرة صوتها الخجولة.

لكنه وقف فجأة يضحك بسخرية على نفسه: كيف يبحث عن إنسانة لا يعرف اسمها، ولا عنوانها، ولا يملك سوى نبرة صوت وشريط كاسيت أسود؟

7. الكاميرا تصبح وسيلته

أدرك أن الكاميرا هي أداة البحث الوحيدة المتاحة له. بدأ يجوب الشوارع، يلتقط صورًا عشوائية لموقف الحافلات، والمقاهي القديمة، ومداخل العمارات المظلمة.

وفي المساء، حين دخل غرفة التحميض المظلمة بالمحل، وأخذ يراقب الورقة البيضاء وهي تتكشف تدريجيًا تحت تأثير المحاليل الكيميائية، لاحظ شيئًا غريبًا في إحدى الصور؛ في خلفية المشهد، ظهرت الحافلة رقم 45 وبداخل النافذة طيف شاحب لفتاة تشبهها تمامًا. الصورة لم تكن واضحة بما يكفي لجزم الهوية، لكنها كانت كافية لتأجيج رغبته في المتابعة. احتفظ بالصورة في جيبه وكأنها كنز ثمين.

8. ظهور شخصية جديدة

توجه يوسف في المساء إلى ورشة صديقه القديم سامي، خبير أجهزة الصوتيات والكاسيت. أخرج الشريط ووضعه على الطاولة أمامه.

ـ محتاجك تفحص الشريط ده يا سامي.. وتشوف لي لو فيه تسجيل ممسوح أو خبايا تانية جواه.

أخذ سامي الشريط، ووضعه على أجهزة الفحص الدقيقة، وبعد دقائق من التمحيص، قال بجدية:

ـ الشريط ده قديم فعلًا، بس مشكلته مش إنه قديم.. المشهد الصوتي اللي في الآخر ده ما قطعش لوحده. ده اتمسح بعناية، وبشريط مغناطيسي تاني.

عقد يوسف حاجبيه:

ـ تقصد إن فيه حد تعمد يحذف الجزء الأخير؟

ـ بالضبط.. وفي الغالب، الشخص اللي عمل كده كان خايف إن المعلومة دي توصل لأي حد.

9. يوسف يسمع التسجيل مرة أخرى

عاد يوسف إلى بيته، وأغلق عليه باب الغرفة. أعاد تشغيل الشريط، لكنه هذه المرة، وبناءً على نصيحة سامي، ركز فيما يخلف صوت الفتاة.

وسط هسيس الشريط، استطاع أخيرًا أن يميز صوتًا خافتًا لموسيقى تنعكس من مكان عام؛ نغمات بعيدة لأغنية قديمة تُعزف في مقهى أو سينما قريبة. هذا أكد له أن الكلمات لم تُسجل في عزلة منزل، بل في قلب مكان عام يعرفه جيدًا.

10. أول خيط باسمها

في اليوم التالي، لمت يوسف خطاه نحو السينما القديمة. دخل قاعة التذاكر المظلمة، ووجد العامل العجوز جالسًا يقرأ جريدة صفراء تحت ضوء مصباح شاحب.

سأله يوسف بوصف دقيق عن الفتاة والحقيبة الرمادية، فتردد العجوز قليلًا قبل أن ينفث دخان سيجارته ويقول:

ـ ممكن تكون هي.. البنت اللي كانت ديمًا تيجي مع أبوها زمان، وتستخبى في آخر صف.

بلهفة واضحة، سأل يوسف:

ـ تعرف اسمها؟

نظر إليه العجوز بريبة:

ـ والله يا ابن الحلال.. مش متأكد أوي.. بس غالباً.. كانت اسمها ليلي. أو حاجة شبه كده. السنين بتلخبط الواحد.

أخذ الاسم يتردد في رأس يوسف: ليلى. أول اسم حقيقي يمسكه بين يديه.

11. نهاية الفصل — المفاجأة

عاد يوسف إلى غرفته في وقت متأخر. وضع الشريط على الطاولة، وجلس أمامه طويلاً بلا حركة. ترددت في ذهنه جملتها: «أنا مش بخاف من إن الناس تعرفني.. أنا بخاف إن حد يعرفني غلط.»

أخرج دفتره الصغير ليكتب كلمة «ليلى؟»، وحين وقع بصره على ظهر الشريط تحت ضوء المصباح المباشر، لاحظ شيئًا غريبًا لم يره من قبل؛ علامة صغيرة حُفرت بقلم حبر جاف على البلاستيك الأسود:

45 — 12 — 96

تأمل الأرقام بذهول تام: 45 هو رقم الحافلة، 96 هي سنة 1996.. فماذا عن الرقم الأوسط؟ ولماذا كتبت صاحبة الشريط هذه الرموز تحديدًا؟ هل كانت تعلم أن الشريط سينتهي بيوسف بالذات؟

رفع عينيه ببطء نحو النافذة، وتذكر تلك اللحظة العابرة حين التفتت إليه قبل أن تختفي في زحام الشارع. للمرة الأولى، تسلل إلى قلبه شعور مرعب وجميل في آن واحد:

> لم يكن يعرف اسمها بعد..

لكنه أصبح يعرف شيئًا أخطر بكثير:

أنها ربما كانت تعرفه.. قبل أن يلتقي بها من الأساس.

الفصل الثالث: شفرة الكاسيت القديم

1. افتتاحية الفصل — ما وراء الأرقام

لم تكن عتمة الغرفة ليلتها هادئة كما اعتاد يوسف. كان ضوء المصباح الأصفر يرتجف خفيفًا فوق الطاولة، وتحديدًا على ذلك الشريط الأسود الملقى كأنه لغز حي.

أعاد يوسف تدوير الأرقام في ذهنه مرارًا وتكرارًا: 45 — 12 — 96.

الرقم الأول واضح وجلي؛ الحافلة رقم 45 التي شهدت اللقاء الأول. الرقم الأخير يشير بلا شك إلى عام 1996، عام البرد الشديد والتفاصيل العالقة. لكن الرقم الأوسط 12 ظل معلقًا في الفراغ كحلقة مفقودة في سلسلة متصلة. هل هو رقم مقعد في قاعة السينما القديمة؟ أم رقم منزل في شارع جانبي؟ أم ربما... يومٌ ما في ذاكرة لم تقابل النور بعد؟

أخرج دفتر ملاحظاته، وكتب الأرقام الثلاثة بخط عريض وسط الصفحة، وترك بجانبها علامة استفهام كبيرة. أدرك يوسف أن الاستمرار في البحث عن فتاة بملامح شاحبة واسم غير مؤكد مثل "ليلى" سيبقيه في دائرة مفرغة. الكلِمة الأولى للحل لا تكمن في وجهها، بل في هذه الأرقام التي حُفرت بقصدٍ لا بخطأ.

2. زيارة غير متوقعة لورشة سامي

في الصباح التالي، وقبل أن يفتح محل التحميض أبوابه، حث يوسف خطاه نحو ورشة صديقه سامي. كانت رائحة القصدير المحترق والصمغ تملأ المكان، بينما كان سامي منكبًا على إصلاح مسجل كاسيت عتيق.

ـ صباح الخير يا سامي.

رفع سامي رأسه، وأزال نظارة التصليح عن عينيه بابتسامة خفيفة:

ـ صباح الفل يا يوسف. خير؟ شكلك ما نمتش كويس. الصوت لسه مطلعش أسرار تانية؟

أخرج يوسف الشريط من جيبه ووضعه بحرص على الطاولة، ثم سأله مباشرة:

ـ مش الصوت يا سامي.. بص على الأرقام دي المحفورة هنا على الظهر.

أخذ سامي الشريط واقترب من ضوء المصباح، دقق بصره في الحفر الصغير وقال:

ـ 45 — 12 — 96.. إيه ده؟ رقم مسلسل؟

ـ لأ، ده مش رقم مصنع. أنا عايزك تقولي، هل طريقة الكتابة دي أو الحفر على البلاستيك ممكن تدل على حاجة تقنية في شرائط التسجيل القديمة؟

فحص سامي الحافة البلاستيكية بأصابعه الخشنة، ثم هز رأسه بالنفي:

ـ لأ يا يوسف. الحفر ده مش عشوائي، ولا هو بتاع مصنع. ده مكتوب بقلم رصاص مدبب أو بآلة حادة بحرفية.. وكأن الشخص كان يتعمد يعلم الشريط علامة مميزة عشان ما يتوهش وسط شرائط تانية.

ـ علامة لشخص بيمتلك أكتر من شريط؟

ـ جايز.. أو لشخص بيسجل أكتر من نسخة.

تلك الإجابة زادت الأمر تعقيدًا؛ لم تكن رسالة عابرة أُلصقت على عجل، بل ربما كانت جزءًا من أرشيف سري لصاحبة الصوت.

3. سر الرقم 12

في طريق عودته، وبينما كان يمر بمحاذاة خطوط الترام القديمة، توقف يوسف فجأة أمام لافتة قديمة لأحد دور السينما العتيقة. تذكر جملتها في التسجيل: «لو رجعت للمكان اللي كنا بنقعد فيه زمان..».

راح يقلب في ذاكرته خريطة دور السينما في وسط البلد. سينما "الوطنية"، سينما "ميامي"، سينما "الهلال"... ثم تذكر صالة العرض الصغيرة المنسية التي كانت تقع بجوار محطة الحافلات القديمة.

قرر أن يذهب إلى هناك.

كانت البوابة خشبية قديمة تعلوها طبقات من الطلاء المقشر، ويجلس على مقعد بلاستيكي مهترئ رجل عجوز يرتدي جلبابًا باهتًا. اقترب منه يوسف وألقى التحية:

ـ السلام عليكم يا حاج.

ـ وعليكم السلام يا ابني.

ـ أنا بسأل عن السينما دي.. هل كان ليها رقم قديم، أو ترخيص، أو تفصيلة مميزة زمان؟

نظر إليه العجوز بريبة، ثم رمى طرف جلاليبه وقال:

ـ السينما دي اتبنت في أوائل الثمانينات.. وكان ليها ترخيص برقم مميز في حي وسط البلد.

ـ تفتكر الرقم كان إيه؟

ـ يا ابني، مين بيفتكر أرقام بعد السنين دي كلها؟

لكن يوسف لم يبرح مكانه، فأخرج من جيبه الصورة القديمة التي التقطها للحافلة وقال بلطف:

ـ طب وتفتكر البنات اللي كانوا بيجوا هنا زمان.. هل كان فيه صف معين بيفضلوا يقعدوا فيه؟

أمعن العجوز النظر في وجه يوسف، ثم ابتسم بابتسامة صفراء أظهرت أسنانًا قليلة:

ـ صف إيه يا ابني؟ الصالة كلها كانت تلاتين كرسي. والصف الأخير.. كان دايماً محجوز بالكامل للناس اللي بتحب الهدوء.

ثم أشار بسببابته نحو الباب الجانبي المعتم:

ـ وتحديدًا.. الكرسي نمرة 12.

تسمّر يوسف في مكانه.

4.

أخيرًا سقط القطعة الأولى في مكانها الصحيح. الرقم لم يكن تاريخًا ولا عشوائيًا؛ كان رقم المقعد الثابت في قاعة العرض المظلمة، حيث اعتادت تلك الفتاة أن تجلس وتراقب العالم من خلف ظلال الشاشة البيضاء.

4. تحذير فؤاد المؤجل

عاد يوسف إلى محل التحميض وفي ذهنه ألف فكرة وفكرة. كان فؤاد يقف عند منضدة العمل يغسل بعض الصور بمعامل التحميض، وحين رآه متهلل الوجه، ركّز نظره عليه وقال بصوت حاد قليلًا:

ـ مالك يا يوسف؟ وشك منور.. شكل اللاقية بتاعتك دي وراها بلاوي.

توسعت ابتسامة يوسف:

– لقيت معنى الرقم 12 يا عم فؤاد. مش صدفة.. ده رقم مقعد في سينما قديمة، نفس المكان اللي...

قبل أن يكمل جملته، توقف فؤاد عن العمل تمامًا، ووضع بكرة الفيلم جانبًا، وظهر على وجهه تجهم مفاجئ قطع حماس يوسف تمامًا. قال فؤاد بصوت خشن ومتحفظ:

ـ أنا قلت لك امبارح يا يوسف.. مش كل حكاية تلمسها تستاهل إنك تحرق دمك فيها. الأماكن القديمة دي، والناس اللي سبت أثر ومشت.. بيفضلوا ماضٍ مدفون لحكمة. لو فتحت الباب ده للأخر، ممكن تلاقي وراه حاجات مش هتعجبك.

ـ حاجات زي إيه يا عم فؤاد؟ هي الحكاية دي تخصك؟

تجنب فؤاد نظرات يوسف المباشرة، وعاد يغسل يديه بالماء البارد وهو يقول باقتضاب:

ـ الحكاية تخص القاهرة يا ابني.. والقاهرة دي أوسع بكتير من إن شاب في تلاتة وعشرين سنة يلف ورا خيال على شريط كاسيت. اسمع مني، واقفل الصفحة دي.

لكن يوسف، وهو ينظر إلى ظهر فؤاد المنحني قليلاً، أدرك شيئًا لم يكن يتوقعه: تحذير فؤاد لم يكن مجرد نصيحة عابرة، بل كان إقرارًا صريحًا بأن اسم "ليلى" أو حكاية السينما تلك تعني للرجل العجوز شيئًا أكبر بكثير مما يحاول إظهاره.

5. نهاية الفصل — اللقاء القادم

في تلك الليلة، عاد يوسف إلى غرفته، وأغلق الباب باهتمام شديد. وضع الشريط على الطاولة، وأمامه دفتر الملاحظات، والصورة التي ظهر فيها طيف الحافلة، وتلك المعطيات الجديدة: المقعد رقم 12، وتحذير فؤاد الغامض.

أطفأ الأنوار كلها، ولم يبقِ سوى ضوء المصباح الأصفر الصغير.

مد يده، وضع الشريط في الجهاز، وضغط زر التشغيل دون أن يقرر الاستماع لصوتها هذه المرة، بل ليستمع إلى همس المكان من خلفها. وبينما كان الهسيس يدور، لمعت في ذهنه فكرة واحدة لا رجعة فيها:

إن كان الشريط قد ترك ليوصله إلى الكرسي رقم 12، وإن كان فؤاد يحذر، فهذا يعني أن ليلى لم تكن تختبئ من العالم صدفة... بل كانت تنتظر شخصًا يملك الشجاعة ليكسر الباب ويدخل.

وقال بصوت خافت لنفسه:

> " بكرة.. هقعد في الكرسي نمرة 12."

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد