الفصل 1
الفصل 1
646 كلمة · ≈3 دقيقة قراءة
الإهداء
إلى تلك اللحظة التي تتوقف فيها المسافة بين اثنين عن أن تكون مجرد مسافة...
إلى النظرة التي تطول قليلًا،
واليد التي تتردد قبل أن تلامس،
والقلب الذي يعرف ما يريده قبل أن يجرؤ صاحبه على الاعتراف.
إلى الذين اكتشفوا أن بعض اللمسات أبلغ من ألف كلمة،
وأن هناك قربًا يجعل الأنفاس مرتبكة،
والصمت أكثر جرأة من الكلام.
إلى امرأةٍ كان يكفي أن تقترب كي يتغير كل شيء،
وإلى رجلٍ حاول كثيرًا أن يخفي تأثيرها عليه... وفشل.
إلى الرغبة حين تختبئ خلف الحب،
وإلى الحب حين يصبح أكثر حرارة من أن يُقال.
هذه الحكاية لكل من عرف أن أخطر لحظة بين اثنين...
هي اللحظة التي يتوقفان فيها عن مقاومة ما يشعران به.
المقدمة
كانت تعرف أنه ينظر إليها.
لم تكن بحاجة إلى أن ترفع عينيها لتتأكد.
كانت تشعر بنظرته كما تشعر بحرارة قريبة من جلدها.
رفعت عينيها أخيرًا.
التقت عيناهما.
ثانية واحدة فقط...
لكنها كانت كافية لتجعل شيئًا خفيًا يرتبك داخلها.
ابتسم.
ابتسامة صغيرة، هادئة، وكأنه لم يفعل شيئًا.
أما هي فأدارت وجهها، محاولة أن تخفي ارتباكها.
قال بصوت منخفض:
— "بتتهربي مني؟"
نظرت إليه من جديد.
— "ومين قال إني بهرب؟"
اقترب قليلًا.
لم يلمسها.
وهذا بالضبط ما جعل قربه أكثر إرباكًا.
كانت المسافة بينهما صغيرة، لكنها بدت لها فجأة أضيق من أن تحتمل كل ما لم يقولاه.
سكت.
وسكتت.
كان بإمكان أيٍّ منهما أن يبتعد.
لكنهما لم يفعلا.
مدّ يده ببطء، ثم توقف قبل أن يصل إليها، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة للتراجع.
لم تتراجع.
فقط نظرت إلى عينيه.
وفي تلك النظرة، فهم كل شيء.
لم يكن الأمر مجرد انجذاب.
كان شيئًا أكثر خطورة.
كان شعورًا يجعل وجود الآخر قريبًا أكثر مما ينبغي، ويجعل لمسة عابرة قادرة على إشعال ألف فكرة، ويجعل القلب يسبق العقل في كل مرة.
ومنذ تلك اللحظة...
لم تعد علاقتهما مجرد قصة حب.
أصبحت لعبة دقيقة بين الاقتراب والابتعاد،
بين ما يقولانه وما يخفيانه،
بين الرغبة التي يحاولان السيطرة عليها،
والحب الذي كان يزداد كلما اقتربا.
وكان كلاهما يعرف...
أن بعض الأبواب، حين تُفتح،
لا يعود من السهل إغلاقها.
الفصل الأول — المسافة الأخيرة
لم يكن أول ما لفت انتباهه جمالها.
كان هدوءها.
كانت تجلس وحدها في آخر المقهى، أمامها كتاب مفتوح وفنجان قهوة فقد حرارته منذ وقت طويل، بينما عيناها تتحركان بين السطور بتركيز غريب، كأن العالم كله اختفى حولها.
ظل ينظر إليها للحظات.
ثم عاد إلى هاتفه.
حاول أن يقنع نفسه بأنه لم يكن ينظر إليها أصلًا.
بعد دقائق، رفعت عينيها فجأة.
التقت عيناهما.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت.
فارتبك.
أنزل عينيه إلى هاتفه بسرعة، ثم ضحك في سره.
"اتقفشت."
حين مرّت بجواره بعد قليل، سقط الكتاب من يدها.
انحنى في اللحظة نفسها التي انحنت فيها.
اصطدمت أصابعه بأصابعها.
لم تكن أكثر من لمسة عابرة.
لكنها بقيت في يده كأنها أطول مما حدث فعلًا.
رفعت عينيها إليه.
— "آسفة."
قال وهو يناولها الكتاب:
— "ولا يهمك."
أخذته منه، لكنها لم تتحرك.
ظلّا واقفين لحظة أطول من اللازم.
قالت:
— "إنت بتبصلي من بدري، صح؟"
ابتسم.
— "واضح إني مش شاطر في التخبي."
ضحكت.
وكانت تلك الضحكة بداية المشكلة.
لأنه منذ تلك اللحظة، لم يعد يريد أن يكتفي بالنظر إليها.
بدأت لقاءاتهما تتكرر.
نفس المقهى.
نفس الطاولة.
نفس النظرات التي أصبحت أطول كل يوم.
حتى جاء مساء جلسا فيه متقابلين، وبينهما كوبان من القهوة ومسافة صغيرة.
قالت وهي تعبث بملعقة الكوب:
— "إنت عمرك خفت من حد؟"
— "آه."
نظرت إليه باهتمام.
— "مين؟"
صمت قليلًا.
ثم قال:
— "إنتِ."
توقفت يدها.
رفعت عينيها إليه.
لم تضحك هذه المرة.
— "ليه؟"
— "لأني كل ما بقرب منك... بحس إني مش عايز أقف."
لم تعرف ماذا تقول.
خفضت عينيها.
لكنه لاحظ ابتسامتها.
مد يده فوق الطاولة، ثم توقف قبل أن يصل إليها.
انتظر.
نظرت إلى يده.
ثم وضعت يدها في يده بنفسها.
تشابكت أصابعهما.
لم يحدث شيء آخر.
ومع ذلك، شعر الاثنان أن شيئًا كبيرًا حدث.
شيء لن يستطيع أيٌّ منهما التراجع عنه بسهولة.
رفع عينيه إليها.
قال بهدوء:
— "نرجع؟"
هزت رأسها.
— "لسه بدري."
ابتسم.
ولأول مرة، لم تكن المسافة بينهما عائقًا.
كانت وعدًا.
بوعدٍ بأن القادم سيكون أقرب.
قيّم هذا الفصل
⭐ —/10
لا توجد تقييمات بعد