الفصل 1
كسر أول حاجز دفاع
575 كلمة · ≈3 دقيقة قراءة
البارت الأول : كسر أول حاجز دفاع
كانت لندن في تشرين الثاني (نوفمبر) عبارة عن لوحة باهتة من الرمادي، ورذاذ المطر لا يتوقف عن تقبيل أرصفة الشوارع ببرودة قاسية. بالنسبة لـ جولي، لم تكن هذه الأجواء شاعرية كما في الروايات؛ بل كانت تعني فحسب أن معطفها القديم سيحتاج وقتاً أطول ليجف قبل نوبة عملها القادمة.
خرجت جولي من المقهى الصغير حيث تعمل فجراً، تلملم ما تبقى من شتات ذهنها قبل التوجه إلى جامعة "سانت ماري". كانت حقيبتها الجلدية المقشرة عند الأطراف تزن أطناناً من الكتب والمخاوف، لكن كبرياءها كان دائماً يدفع كتفيها للأعلى.
في ردهة الجامعة الفاخرة، حيث تتردد أصداء الأحذية المصقولة على الرخام، وقفت جولي أمام ماكينة لبيع الكتب الدراسية. كانت بحاجة لمرجع القانون الدولي، لكن البطاقة البنكية اللعينة رُفضت مجدداً. تنهدت بضيق،وشعرت بحرارة الإحراج تغزو وجنتيها وهي تسمع تململ الطلاب خلفها.
"يبدو أن هذه الآلة تفتقر للذوق الرفيع اليوم، تماماً كطقس لندن."
جاء الصوت هادئاً، مخملياً، وواثقاً خلفها. التفتت لتجد شاباً يبدو وكأنه خرج للتو من جلسة تصوير لمجلة ذات مفهوم أرستقراطي. كان ريفر.
لم يكن ريفر يرتدي ثياباً استعراضية، لكن عين جولي الخبيرة بالبساطة أدركت فوراً ثمن معطفه الكشميري الذي يلف جسده بدقة متناهية، وساعته التي تلمع ببريق هادئ لا يملكه إلا الذهب الخالص. كان يفيض بالثراء، لكن ملامحه كانت تشع بطيبة غريبة، تكاد تكون بريئة.
"أنا ريفر، زميلك في قسم الحقوق" قالها وهو يمرر بطاقته الذهبية على الماسح الضوئي بخفة، قبل أن تتمكن حتى من الاعتراض. "لا تقلقي بشأن الثمن، اعتبريه استثماراً في ذكاء زميلة متفوقة مثلكِ."
ابتسم لها ابتسامة دافئة، خالية من أي غطرسة ظاهرة، ثم انسحب بهدوء تاركاً خلفه رائحة عطر باهظ الثمن وشعوراً بالامتنان الممزوج بالريبة في قلب جولي. لم تكن تعلم أن خلف تلك الابتسامة "اللطيفة"، كان ريفر يستمتع بكسر حاجز دفاعها الأول.
هرعت جولي إلى قاعة المحاضرات الكبرى، محاولةً إخفاء يديها اللتين جفتا من أثر الصابون والمطر كانت لاتملك مالا اضافيا لشراء مرطب لليدين حتى. وقبل أن تجلس في مقعدها المعتاد في الصف الأخير، شعرت بهجوم من الحيوية والضحكات العالية.
"جولي! هل أحضرتِ لنا ملخصات محاضرة الأمس؟ كدنا نموت من الملل لولا وجودك!"
كانت هذه جينا، التي اقتحمت هدوء جولي بابتسامتها العريضة، وخلفها تماماً نسخة طبق الأصل منها بملامح أكثر رصانة، توأمتها رينا. التوأمتان لم تكونا مجرد طالبتين غنيتين؛ بل كانتا "كتلة من المرح" تسير على قدمين. ورغم الفوارق الشاسعة، كانت جولي تجد في صحبتهما نوعاً من العزاء، فهما الوحيدتان اللتان لم تنظرا إليها بدونية، بل كانتا الوحيدتين اللتين تعاملان جولي كصديقة حقيقية.
ضحكت جولي بخفة وهي تخرج الأوراق: "لو اعتمدتما عليّ دائماً، لن تنجحا في الاختبار النهائي."
ردت رينا وهي تعدل شعرها المصبوغ بعناية: "النجاح مضمون طالما أننا نملك صديقة عبقرية مثلك.. والآن، دعينا من الدراسة،جولي! هل رأينا للتو ريفر -الفتى الذهبي- يتحدث معكِ؟"
"لقد ساعدني فقط في شراء الكتاب" قالت جولي بملامح وجه ممتعضة فالشائعات آخر ماينقصها الآن !
ردت رينا وهي تعدل وشاحها الحريري: "ريفر ليس كبقية الأغنياء هنا يا جولي. الجميع يعرف بذخ عائلته وسياراته الرياضية التي تملأ مرأب الجامعة، لكنه يتمتع بأخلاق الفرسان القدامى. إنه لطيف مع الجميع، من العميد حتى عامل النظافة.. وهذا ما يجعله ذو شعبية هائلة بين الفتيات."
ضحكت جينا وهي تغمز لجولي: "إنه يعيش كملك، لكنه يتعامل كإنسان.. يبدو أنه وضعكِ تحت مجهر لطفه اليوم!"
سارت جولي مع الصديقتين نحو القاعة، تحاول تجاهل كلمات جينا، وعلامات الإستغراب بادية على وجهها .
غريب فهي لم يسبق أن صادفت هذا النوع من الأثرياء من قبل ، وهل تشعر بالارتياح حيال ذلك؟ قطعا لا ، فشيء مابداخلي يخبرها بأن نظراته المتواضعة تلك تخفي شيئا من الغرور والكبرياء الطاغي لذا لابد من الحفاظ على مسافة 200 متر بينهما على الأقل .
قيّم هذا الفصل
⭐ —/10
لا توجد تقييمات بعد