الفصل 1
البداية
5449 كلمة · ≈27 دقيقة قراءة

بعد أن انتهت الحرب الأهلية في قرية النسيم، كان الوضع هناك مزريًا؛ فقد دُمِّرت البيوت، وتناثرت جثث القتلى في كل مكان.
مرَّ حمزة، وهو شابٌّ من القرية المجاورة، في التاسعة عشرة من عمره، بهذه المدينة، فرأى ما حلَّ بها من دمارٍ وقتلٍ وخراب، فقال في نفسه: يا لهفي عليكِ يا مدينةَ النسيم، لقد كنتِ قرَّةً للعين وبهجةً للقلب، ثم تأتي حربٌ لم تدم سوى ثلاثة أيام فتجعلكِ على هذه الحال.
بدأ حمزة يتجوّل في مدينة النسيم، لعلّه يجد من يحتاج إلى المساعدة أو الإنقاذ.
أخذ حمزة يتجوّل في أزقّة مدينة النسيم المهدّمة، يتفحّص الوجوه ويصغي لأيّ أنينٍ خافت، لعلّه يعثر على من لا يزال بحاجةٍ إلى المساعدة أو ينتظر الإنقاذ بين الركام.
وبينما هو على تلك الحال، سمع سعالَ عجوزٍ يتردّد من داخل بيتٍ قريب، فاندفع نحوه مسرعًا، يرجو أن يجد من يحتاج إلى عونٍ قبل فوات الأوان.

دخل حمزة من الباب الخلفي للبيت، فوجد شيخًا مقعدًا تبدو عليه ملامح الوقار، جالسًا في زاويةٍ يكسوها الغبار.
قال العجوز بصوتٍ متعب: من أنت يا بُني؟
فأجابه حمزة: أُعرّفك بنفسي، أنا حمزة، في التاسعة عشرة من عمري، أعمل تاجرًا وأعيش في إحدى القرى المجاورة. سمعت صوتك، فجئت لأرى إن كنت تحتاج إلى مساعدة.
قال العجوز بصوتٍ يثقلُه التعب: أنا همّام، شيخ هذه القرية، وقد بلغتُ السبعين من عمري. رزقني الله بابنٍ وابنة، غير أنّي لم أرهما منذ الأمس، وكما ترى فأنا مقعد لا أستطيع النهوض… فهل لك أن تبحث عنهما؟
فأجابه حمزة دون تردّد: بكل تأكيد يا سيدي.
خرج حمزة من الباب الأمامي للبيت، وما إن أغلقه خلفه ورفع بصره نحو الفناء، حتى وقعت عيناه على فتاةٍ ملقاة على الأرض، تكسوها الأتربة وتغطي جسدها جروحٌ متفرقة، كأنها قاومت حتى آخر رمق.

اقترب منها حمزة على عجل، فانحنى ليتفحّصها، فوجد أنها لا تزال تتنفس بصعوبة. وبين خصلات الغبار والدم، لمح في عنقها عقدًا من فضة، نُقش عليه اسم: «نور».
هرع حمزة عائدًا إلى الشيخ مسرعًا، وقد بدت على وجهه علامات القلق، ثم قال: أبنتك تُدعى نور؟
أجاب همّام بلهفةٍ وارتجاف: أجل… هل وجدتها؟
قال حمزة: نعم يا سيدي، وجدتها أمام البيت، لكنها مصابة بجروحٍ كثيرة.
قال الشيخ همّام بقلقٍ بالغ: هل تستطيع إحضارها إليّ؟
فأجابه حمزة بثبات: نعم يا سيدي، سأحضرها لك بإذن الله.
خرج حمزة مسرعًا، فحمل نور بين ذراعيه بحذرٍ شديد، ثم عاد بها إلى بيت الشيخ همّام، ووضعها برفقٍ على سريرٍ إلى جواره.

قال همّام بقلقٍ ظاهر: هل تستطيع أن تستدعي الطبيب؟
أجاب حمزة: بكل سرور، ولكن أين أجده؟
قال همّام: إنه يدعى الشيخ عمر، وبيته عند التلّة المقابلة، غير أنّي لا أعلم أهو حيٌّ أم لا…
فقال حمزة بحزم: سأذهب لأستدعيه إن وجدته.
انطلق حمزة مسرعًا، وقد بدت عليه أمارات القلق، حتى بلغ بيت الشيخ عمر عند التلّة المقابلة.

طرق الباب طرقًا متتابعًا، فصاح صوتٌ من الداخل: من الطارق؟
قال حمزة: أنا رسولٌ من الشيخ همّام.
فُتح الباب، وخرج عمر على عجل وهو يقول بدهشة: همّام؟ أولا يزال حيًّا؟
أجاب حمزة: أجل، وقد أرسلني إليك، فهو بحاجةٍ إليك على وجه السرعة.
قال عمر دون تردّد: سأأتي معك حالًا.
انطلقا معًا نحو بيت الشيخ همّام، وما إن وقع بصر الطبيب عليه حتى أسرع إليه وعانقه بحرارة، وقال بلهفة: أأرسلت في طلبي يا شيخ قريتنا؟
قال همّام بصوتٍ يملؤه القلق: أجل… إن ابنتي نور في حالةٍ حرجة، وأريدك أن تعالجها.
فأجابه عمر بثقة: أمرك مُطاع يا شيخ.
بدأ عمر بمعالجة جروح نور بعنايةٍ وتركيز، بينما وقف حمزة يراقب في صمتٍ وقلق.
ثم قال حمزة: أستأذنك يا سيدي، سأذهب الآن لأبحث عن ابنك.
فأجابه همّام بصوتٍ خافت: حسنًا يا بُني، رافقتك السلامة.
انطلق حمزة يجوب أطراف الصحراء، يتتبّع الآثار بين الرمال ويحدّق في الأفق الموحش، لعلّه يعثر على دليلٍ يقوده إلى ابن الشيخ.
ظلّ يبحث طوال النهار، تحت شمسٍ لاهبةٍ أنهكت جسده وأثقلت خطاه، دون أن يهتدي إلى أثرٍ يُذكر، فعاد مع غروب الشمس مثقلًا بالتعب وخيبة الأمل.
دخل حمزة بيته مع حلول المساء، فوجد أخاه صالح، البالغ من العمر سبعة عشر عامًا، قد غلبه التعب فنام نومًا عميقًا، بينما كانت أخته كوثر، ذات الواحد والعشرين عامًا، جالسةً تنتظره بقلق.

قالت كوثر: أهلًا بعودتك يا أخي.
جلس حمزة إلى المائدة، وبدأ يتناول طعامه بصمتٍ ثقيل، كأن أفكاره أبعد ما تكون عمّا بين يديه. كانت حركاته بطيئة، ونظراته شاردة، الأمر الذي لم يغب عن كوثر.
راقبته كوثر للحظات، ثم قالت بنبرةٍ يملؤها القلق:
— ما بك يا أخي؟ أهناك أمرٌ يشغلك؟
رفع حمزة رأسه قليلًا، ثم أجاب محاولًا التماسك:
— لا شيء يا أختي… إنما أنا متعب فحسب.
أوى حمزة إلى فراشه مثقل الجسد، متعب الروح، غير أنّ النوم أبى أن يطرق جفنيه. راحت الأفكار تتزاحم في رأسه بلا رحمة: هل أتيتُ إلى الشيخ في الوقت المناسب؟ هل نور بخير الآن؟ هل ستنجو من جراحها، أم أن القدر يخبئ لها مصيرًا آخر؟ وماذا عن ابن الشيخ… أين هو؟ هل ما يزال حيًّا؟ وهل سأعثر عليه؟
تتابعت الأسئلة في ذهنه كأنها صدى لا ينتهي: هل… هل… هل… حتى غرق في دوّامةٍ من القلق لم يجد لها مخرجًا.
وكان الليل قد ألقى بسكونه الثقيل على المكان، فلا يُسمع سوى أنفاسٍ متقطعة داخل البيت الصغير، بينما ظلّ حمزة مستلقيًا وعيناه مفتوحتان، يحدّق في الظلام، وقلبه مثقلٌ بالهموم والشكوك.
وقبيل الفجر، غلبه الإرهاق أخيرًا، فاستسلم لغفوةٍ قصيرة، استعاد بها شيئًا يسيرًا من نشاطه، وكأنها هدنةٌ عابرة في معركةٍ لا تهدأ داخل صدره.
اقتربت كوثر من فراش أخيها مع أول خيوط الفجر، ونادته بصوتٍ هادئ:
— استيقظ يا أخي، لقد حان وقت صلاة الفجر.
حرّك حمزة رأسه قليلًا، ثم فتح عينيه بتثاقل، وقد بدا أثر السهر واضحًا عليه، وقال بصوتٍ خافت:
— حسنًا يا أختي… سأستيقظ الآن.
وكان نور الفجر قد بدأ ينتشر في أرجاء البيت، باعثًا سكينةً لطيفة، بينما نهض حمزة ببطء، لا يزال يحمل في داخله بقايا تعب الأمس وقلقه، مستعدًا ليومٍ جديد لم تتضح ملامحه بعد.
أدّى حمزة صلاة الفجر برفقة أخته كوثر وأخيه صالح، ثم جلسوا معًا حول مائدةٍ بسيطة ليتناولوا الإفطار.
مدّ حمزة يده إلى الطعام، فأكل لقيماتٍ قليلة على غير عادته، ثم ما لبث أن نهض فجأة، كأن خاطرًا داهمه أو أمرًا أثقل صدره.

نظرت إليه كوثر باستغراب، وقالت:
— غريبٌ أمرك يا أخي، لِمَ لم تُكمل طعامك؟
أجابها وهو يتجنب النظر إليها:
— لا أشعر برغبةٍ في الطعام.
ثم انصرف مسرعًا خارج المنزل، تاركًا خلفه تساؤلاتٍ لم تجد جوابًا.
وبقيت كوثر تنظر إلى أثره بقلق، بينما تبادل صالح معها نظرةً صامتة، وقد خيّم على المكان جوٌّ من التوتر الخفي، كأنّ شيئًا غير مألوف بدأ يتسلّل إلى حياتهم بهدوء.
أمّا الشيخ همّام، فقد جلس يرقب عمر بعينين يملؤهما القلق، وهو يتابع عمله منذ الليلة الماضية دون انقطاع، يداوي جروح نور بعنايةٍ وصبر، كأنّ كل لحظةٍ تمرّ تحمل معها أملًا جديدًا أو خوفًا مستترًا.
كانت نور لا تزال طريحة الفراش، أنفاسها متقطّعة، ووجهها شاحبٌ يروي قسوة ما مرّت به، بينما تحرّكت يد الطبيب عمر بخبرةٍ وثبات، غير أنّ ملامحه لم تخلُ من التوتر.
أنهى عمر أخيرًا معالجة نور، وقد كانت شمس اليوم التالي قد أشرقت، تُرسل خيوطها الدافئة عبر نوافذ البيت.
تنفّس عمر الصعداء، ثم قال:
— لقد انتهيت يا سيدي، وستستفيق ابنتك قريبًا بإذن الله.
ارتسمت على وجه الشيخ همّام ملامح امتنانٍ عميق، وقال بصوتٍ متأثر:
— لا أدري كيف أشكرك، أيها الطبيب عمر.
هزّ عمر رأسه بلطفٍ وقال:
— لا داعي للشكر يا شيخنا، فقد غمرتنا برعايتك طوال مدة ولايتك علينا.
ثم أردف وهو يهمّ بالمغادرة:
— أستأذنك الآن… السلام عليكم.
أجابه الشيخ:
— وعليكم السلام، في أمان الله يا عمر.
غادر عمر المكان بهدوء، بينما بقي الشيخ همّام جالسًا إلى جانب ابنته، وقد خفّ عنه شيءٌ من القلق، وحلّ مكانه أملٌ حذر، في حين امتلأ البيت بسكونٍ مريح، كأنّه يلتقط أنفاسه بعد ليلةٍ طويلة من الترقّب.
بعد انصراف الطبيب عمر بلحظاتٍ قليلة، سُمع طرقٌ خفيف على باب بيت الشيخ.
قال الشيخ همّام بصوتٍ مرتفع قليلًا:
— من الطارق؟
جاءه الرد من خلف الباب:
— أنا حمزة يا سيدي.
فقال الشيخ:
— تفضّل بالدخول يا حمزة.

فُتح الباب ببطء، ودخل حمزة بخطواتٍ هادئة، وقد بدا عليه شيءٌ من الإرهاق، بينما كان البيت غارقًا في سكونٍ ثقيل، لا يزال يحمل أثر الليلة الماضية، وقد خفّت حدّة التوتر فيه، لتحلّ محلّها حالةٌ من الترقّب الحذر.
قال حمزة وهو يتقدّم بخطواتٍ هادئة:
— السلام عليكم أيها الشيخ، كيف حالك اليوم؟ وكيف كانت حال ابنتك بعد العلاج؟
أجاب الشيخ همّام بنبرةٍ أكثر طمأنينة:
— وعليكم السلام يا بُني، لقد أخبرني الطبيب أنّ ابنتي ستستفيق قريبًا بإذن الله.
ارتسمت على وجه حمزة ابتسامةٌ خفيفة، وقال بارتياح:
— الحمد لله… لقد أسعدني هذا الخبر يا سيدي، فقد خشيت أن يكون قدومي لإنقاذها قد جاء متأخرًا.
قال الشيخ همّام بلهفةٍ ظاهرة:
— ماذا حدث؟ هل وجدت ابني؟
خفَض حمزة نظره قليلًا، ثم أجاب بأسف:
— للأسف يا سيدي، لم أعثر عليه بعد… لكني أعدك بأن أبذل كل جهدي في البحث عنه.
ثم قال حمزة بعزمٍ ظاهر:
— سأذهب الآن لأواصل البحث عنه يا سيدي.
نظر إليه الشيخ همّام بعينين يملؤهما القلق، ثم قال بنبرةٍ أبوية:
— كن حذرًا على نفسك يا بُني… أستودعك الله.
أومأ حمزة برأسه في هدوء، ثم استدار متجهًا نحو الباب، وقد ارتسمت على ملامحه ملامح تصميمٍ لا يلين.
انطلق حمزة نحو السوق، وما إن بلغ متجره حتى جلس خلف طاولته المعتادة، غير أنّه لم يباشر عمله كعادته فحسب، بل أخذ يستوقف المارّة ويسألهم عن عمرو ابن الشيخ، يصف ملامحه ويترقّب أي إشارةٍ تدلّ عليه.
تكرّرت الأسئلة، وتبدّلت الوجوه، لكن الإجابة بقيت واحدة… لا أحد يعلم شيئًا.
ومع مرور الوقت، بدأ التعب يتسلّل إليه من جديد، لا تعب الجسد فحسب، بل إرهاق الحيرة وضيق العجز، بينما ظلّ السوق يعجّ بالحركة من حوله، وكأنّ العالم يمضي في طريقه غير عابئٍ بما يثقل صدره.
انقضى ذلك اليوم دون جديد، فعاد حمزة إلى قريته مع حلول الليل، مثقل الخطى، وقد أنهكه البحث دون جدوى. دخل البيت بهدوءٍ كي لا يوقظ أحدًا، فوجد أخاه صالح وأخته كوثر غارقين في نومٍ عميق.
اقترب منهما، ومسح على رأسيهما برفق، وكأنّه يستمدّ منهما بعض الطمأنينة التي افتقدها طوال يومه، ثم ابتعد ببطء.
توجّه إلى فراشه، وما إن استلقى حتى غلبه النعاس سريعًا، فاستسلم للنوم دون مقاومة.
أمّا في بيت الشيخ، ففي ظهر ذلك اليوم، فتحت نور عينيها ببطء، وقد بدت ملامح الضعف واضحةً عليها، ثم أخذت تتلفّت من حولها في حيرة.

وقع بصرها على أبيها، جالسًا وقد غلبه النوم من شدّة الإرهاق، ورأسه مائلٌ إلى الجانب.
نادته بصوتٍ خافت متقطّع:
— أبي… أبي…
انتفض الشيخ همّام من مكانه، وفتح عينيه على عجل، وما إن أدرك أنّها قد أفاقت حتى غمرته سعادةٌ جارفة، حتى كاد ينهض من شدّة فرحته، متناسيًا إعاقته.
قال بصوتٍ مرتجف وقد اغرورقت عيناه بالدموع:
— ابنتي… الحمد لله الذي شفاكِ وردّكِ إليّ.
حاولت نور أن تعتدل في فراشها، فنهضت ببطء حتى جلست إلى جوار أبيها، ولا يزال الضعف بادياً على حركتها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
— أبي… من الذي أوصلني إلى هنا؟
أجاب الشيخ همّام وهو ينظر إليها بعطف:
— إنّه شاب يُدعى حمزة، من القرية المجاورة.
رفعت نور حاجبيها قليلًا وقالت بدهشةٍ خفيفة:
— حقا؟
قال الشيخ:
— أجل، لقد وجدكِ ملقاةً أمام البيت، فأدخلكِ إليّ، ثم انطلق مسرعًا ليستدعي الطبيب عمر، الذي ظل يعالج جروحكِ طوال الليل.
> قالت نور وقد بدا القلق في عينيها:
— وأين ذلك الشاب، حمزة؟
أجاب الشيخ همّام بصوتٍ هادئ:
— لقد وعدني أن يواصل البحث عن أخيكِ عمرو.
اضطربت ملامح نور، وقالت بلهفة:
— أخي عمرو… أتمنى أن أراه.
تنهد الشيخ، ثم قال بحزنٍ ممزوج بالأمل:
— وأنا كذلك يا بُنيّتي.
مرّ ذلك اليوم بطيئًا، والشيخ همّام جالس إلى جوار ابنته، لا يفارقها إلا قليلًا، يطمئن عليها بين الحين والآخر، ويتبادل معها حديثًا خافتًا يخفّف من وطأة القلق.
ومع حلول الليل، خفَتت الأصوات، وسكن المكان، فاستسلمت نور للنوم من شدّة الإرهاق، ولحق بها الشيخ بعد أن غلبه التعب، فناما في هدوءٍ.
مرّ يومان آخران، وحمزة لا يزال يجوب الطرقات والسهول، يتتبّع كل خيطٍ محتمل، ويسأل كل من يصادفه، غير أنّ جهوده لم تُثمر عن أي أثرٍ يدلّ على ابن الشيخ.
ومع تزايد التعب وثقل الانتظار، قرّر أن يعود إلى الشيخ همّام ليطمئنه، ويخبره أنّه لم يتوقف عن البحث، وأنّه سيواصل السعي مهما طال الزمن.
وصل حمزة إلى بيت الشيخ، فطرق الباب طرقًا خفيفًا، ولم تمضِ لحظات حتى فُتح الباب، فإذا بفتاةٍ تقف أمامه، وقد بدت عليها ملامح العافية رغم آثار الضعف.

لم يتعرّف عليها حمزة، فقد كانت ملامحها يوم رآها أول مرة مغطّاةً بالدم والتراب، أمّا الآن فقد انكشف وجهها عن جمالٍ هادئ، ونظراتٍ تحمل أثر ما مرّت به.
توقّف حمزة لحظةً، وقد انعقد لسانه من شدّة المفاجأة، كأنّه لم يتوقّع أن يرى هذا الوجه نفسه بهذه الهيئة المختلفة، وبقي ينظر إليها وقد سكن في مكانه.
قالت نور بلطف:
— أهلًا يا سيدي.
انتبه حمزة أخيرًا، وقال محاولًا استعادة توازنه:
— أودّ مقابلة الشيخ همّام.
قالت:
— تفضّل بالدخول.
تنحّت جانبًا ليفسح له الطريق، بينما بدا على حمزة شيءٌ من الارتباك، في حين خيّم على المكان هدوءٌ خفيف، يحمل في طيّاته بداية لقاءٍ غير متوقّع.
دخل حمزة إلى البيت بخطواتٍ هادئة، ثم تقدّم نحو الشيخ همّام وألقى عليه التحيّة باحترام.
رفع الشيخ بصره إليه، وقال مرحّبًا:
— أهلًا بك يا بُني، ما سبب هذه الزيارة المفاجئة؟
أجاب حمزة بنبرةٍ صادقة:
— جئت لأطمئن عليك، وأخبرك أنني لا أزال أواصل البحث عن ابنك.
ابتسم الشيخ ابتسامةً خفيفة، وقال:
— بارك الله فيك يا بُني.
> قال الشيخ همّام موجّهًا حديثه إلى ابنته:
— يا نور، أحضري بعض العصير لضيفنا.
أجابت نور بهدوء:
— حسنًا يا أبي.
انصرفت نور بخطواتٍ خفيفة، بينما تابعها حمزة بنظره دون شعور، وقد أخذ يفكّر في نفسه: "أهذه هي نور… الفتاة التي أنقذتها؟ ما أعجب هذا التحوّل… وما أبهى ملامحها، رغم ما يبدو عليها من أثر التعب".

انتبه الشيخ إلى شرود حمزة، فقال مستفهمًا:
— أهناك أمرٌ يشغلك يا حمزة؟
انتفض قليلًا، ثم قال بسرعة:
— كلا يا سيدي، كل شيءٍ على ما يرام.
> عادت نور بعد لحظات، تحمل إناءً بسيطًا فيه عصير، فتقدّمت بخطواتٍ هادئة وقدّمته لهما في أدب.
قال الشيخ همّام مبتسمًا:
— شكرًا لكِ يا نور.
وقال حمزة وهو يتناول الكأس:
— سلمت يداكِ.
أومأت نور برأسها في حياء، وجلست قليلًا على مقربة، بينما ساد المكان هدوءٌ لطيف، امتزج فيه الامتنان بشيءٍ من الخجل، وبدا على حمزة قدرٌ من الارتباك الخفيف، في حين كان الشيخ يراقب المشهد بعينٍ هادئة، وقد خفّت وطأة القلق في صدره مؤقتًا.
> قال الشيخ همّام موجّهًا حديثه إلى ابنته:
— أتعرفين من هذا الشاب يا نور؟
نظرت نور إلى حمزة قليلًا، ثم قالت بهدوء:
— لا يا أبي، لكن يبدو أنّه شابٌّ طيبٌ ونبيل، وذو خُلقٍ رفيع.
ابتسم الشيخ وقال:
— إنّه حمزة الذي أخبرتكِ عنه… هو من أنقذكِ.
اتّسعت عينا نور بدهشة، وقالت:
— حقًّا يا أبي؟
فأجاب الشيخ مؤكدًا:
— أجل يا بُنيّتي، هذا هو حمزة أمامكِ.
وبعد برهةٍ من الصمت، نهض حمزة مستأذنًا، وقال بنبرةٍ هادئة:
— أستأذنك في الانصراف يا سيدي، سأذهب لمواصلة البحث عن عمرو.
أومأ الشيخ همّام برأسه وقال:
— حسنًا يا بُني.

نهض حمزة متجهًا نحو الباب ليغادر، فتبعته نور بخطواتٍ هادئة لتودّعه، وما إن ابتعدا قليلًا عن مرأى الشيخ حتى توقّفت، وقالت بصوتٍ يملؤه الامتنان:
— حمزة… شكرًا لك على إنقاذي.
ابتسم ابتسامةً خفيفة، وقال:
— لا داعي للشكر يا نور، لقد فعلتُ ما كان يجب عليّ فعله.
نظرت إليه لحظة، ثم قالت:
— لا تنسَ أن تزورنا مرةً أخرى.
أجابها بثقةٍ هادئة:
— سأزوركم كلما سنحت لي الفرصة… والآن سأمضي لأواصل البحث عن أخيك. إلى اللقاء.
ابتسمت نور وقالت بنبرةٍ تحمل شيئًا من الإعجاب:
— إلى اللقاء… أيها البطل.
انطلق حمزة من بيت الشيخ، وعاد يجوب الطرقات باحثًا عن عمرو، غير أنّ وقع كلمات نور الأخيرة ظلّ يتردّد في داخله، كأنّها أشعلت فيه عزيمةً جديدة.
لم يعد يبحث بدافع الواجب وحده، بل بشيءٍ أعمق، حافزٍ خفيّ يدفعه لأن يُمعن في السعي، ويُضاعف جهده، كأنّ نجاحه هذه المرة يعني أكثر مما كان يتخيّل.
اشتدّت خطواته، وقويت نظرته، وأخذ يتفحّص كلّ مكانٍ بعنايةٍ أكبر، وكأنّه يرفض أن يعود هذه المرة خالي الوفاض.
غربت الشمس، وعاد حمزة إلى بيته مثقلًا بخيبة الأمل، وقد خابت مساعيه مرةً أخرى دون أن يعثر على أثرٍ لعمرو.
كانت خطواته بطيئة، وملامحه متعبة، كأنّ اليوم استنزف منه ما تبقّى من طاقة، غير أنّ عينيه ظلّتا تحملان بريق إصرارٍ لم ينطفئ.
وفي الليل، وبعد أن غلب النوم حمزة، جلست كوثر إلى جانب أخيها صالح، وقد بدا القلق واضحًا على ملامحها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
— ألا تلاحظ تغيّر حمزة في الآونة الأخيرة؟
أومأ صالح برأسه وقال:
— بلى… صار شارد الذهن، قليل الكلام، وحتى طعامه لم يعد يتناوله كما كان.
تنهدت كوثر وقالت:
— ينبغي أن نسأله عمّا يشغله… لا بدّ أنّ هناك أمرًا يثقله.
قال صالح بنبرةٍ حازمة:
— سنفعل ذلك غدًا، لا يصحّ أن يظلّ على هذه الحال دون أن نعرف السبب.
وبعد أن أدّوا صلاة الفجر، جلسوا جميعًا حول المائدة ليتناولوا طعامهم، وكان الصباح هادئًا على غير العادة، كأنّ شيئًا ما يتهيّأ ليُقال.

نظرت كوثر إلى حمزة قليلًا، ثم قالت بنبرةٍ تجمع بين الحزم والحنان:
— يا أخي، أريد أن أسألك سؤالًا… ليس تدخّلًا في شؤونك، ولكن لأنني أختك الكبرى التي ربّيتك وأهتمّ لأمرك.
رفع حمزة بصره إليها، وقد شعر بثقل السؤال قبل أن يُقال، ثم أجاب بهدوء:
— ماذا هناك يا أختي؟
قالت كوثر بنبرةٍ هادئة، لكنها تحمل في طيّاتها جدّيةً واضحة:
— يا حمزة، أنا أختك الكبرى، وقد تولّيت تربيتك منذ وفاة والدينا حين كنت وقتها في الرابعة من عمرك، ومنذ ذلك الحين وأنا أعرف طباعك وسلوكك جيدًا… وقد لاحظت تغيّرًا في تصرّفاتك مؤخرًا، فما السبب يا أخي؟
خفَض حمزة نظره قليلًا، ثم أجاب متجنّبًا عينيها:
— لا شيء يا أختي… إنما أشعر ببعض التعب فحسب.
قالت كوثر بإصرارٍ ممزوج بالحنان:
— لا تحاول أن تُخفي عنّي يا أخي، فأنا أعرفك جيدًا… أنت تُخفي أمرًا ما.
أضاف صالح مؤيّدًا كلامها:
— هذا صحيح يا أخي، نحن أسرتك، ونهتمّ لأمرك.
تنفّس حمزة بعمق، ثم رفع نظره إليهما وقال بنبرةٍ مستسلمة:
— حسنًا… سأخبركما بكل شيء.
ثم بدأ يسرد عليهما قصّته منذ لقائه الأول بالشيخ همّام، وكيف دخل تلك المدينة المدمّرة، وما رآه فيها من خرابٍ وآثار حرب، ثم حديثه مع الشيخ، وإنقاذه لابنته نور، واستدعائه للطبيب، وصولًا إلى مهمّة البحث عن ابنه عمرو.
كان يتحدّث ببطء، وكأنّه يستعيد كل لحظةٍ مرّ بها، بينما كانت كوثر وصالح يصغيان إليه باهتمامٍ بالغ، تتبدّل ملامحهما بين الدهشة والتأثّر مع كل تفصيلٍ يرويه.
وما إن انتهى، حتى ساد صمتٌ ثقيل، وكأنّ ما سمعاه لم يكن بالأمر الهيّن، بينما بدا حمزة أكثر ارتياحًا بعد أن أخرج ما في صدره.
قالت كوثر بنبرةٍ يملؤها العتب:
— ولماذا أخفيت عنا كلّ هذا حتى الآن؟
أجاب حمزة بهدوءٍ مثقل:
— لم أرد أن أُثقل عليكما بما أثقل صدري.
قال صالح بنبرةٍ صادقة:
— هداك الله يا أخي… إن لم نتحمّل معك المشاق والأثقال، فمن سيتحمّلها معك؟
قال حمزة وهو ينهض من مكانه:
— سأنصرف الآن.
نظرت إليه كوثر وقالت:
— أتقصد أنّك ستواصل البحث عن ابن الشيخ همام؟
أجاب بثبات:
— أجل.
تدخّل صالح قائلًا بحماس:
— إذن سأبقى أنا في متجرك اليوم.
أومأ حمزة موافقًا وقال:
— حسنًا، كن نبيهًا ومتيقّظًا يا أخي.
ابتسم صالح بثقةٍ وقال:
— ثق بي يا أخي العزيز.
خرج حمزة من بيته بخطواتٍ ثابتة، وقد عقد العزم على ألا يتوقّف عن البحث حتى يعثر على أي خبرٍ عن عمرو، مهما طال الزمن أو اشتدّ العناء.
كان يسير بنظراتٍ يقِظة، يتفحّص الوجوه والطرقات بعناية، كأنّه يحاول أن يلتقط خيطًا خفيًا يقوده إلى غايته، وقد ازداد إصراره بعد أن شارك أسرته همّه.
لم يعد هذا البحث مجرّد وعدٍ قطعه، بل أصبح مسؤوليةً يحملها بكل جوارحه، تدفعه للاستمرار دون تراجع.
وبينما كان حمزة يسير على فرسه عبر طريقٍ ترابيٍّ ممتد، لمح فارسًا ملثّمًا يقف غير بعيد، كأنّه يراقب المارّة بصمت.
اقترب منه بحذر، ثم قال:
— مرحبا أتعرف شابًا يُدعى عمرو؟
التفت الملثّم نحوه ببطء، وقال بنبرةٍ غامضة:
— ولماذا تسأل عنه؟
أجاب حمزة بثبات:
— أريد مقابلته.
ساد صمتٌ قصير، ثم قال الفارس ببرود:
— لا… لا أعرفه.
ظلّ حمزة يحدّق في الفارس الملثّم بنظرةٍ فاحصة، وكأنّه يشكّ في أمره، فما كان من الأخير إلا أن استلّ سيفه فجأة، وقال بحدّة:
— لِمَ تُحدّق بي هكذا؟
لم يتراجع حمزة، بل استلّ سيفه هو الآخر، وقال بثبات:
— ما بك يا هذا؟ أترغب في تحويل الأمر إلى مبارزة؟

ارتسمت على صوت الملثّم نبرة تهديد، وقال:
— سأجعلك تندم على لقائي.
تقدّم الفارسان، والسيوف بأيديهما تلمع تحت ضوء الشمس، ثم ما لبثا أن التقيا في اشتباكٍ سريع، يتبادلان الضربات ويتصدّيان لها في آنٍ واحد.
كانت حركاتهما متقنة، تتداخل فيها الهجمات مع الدفاع، في رقصةٍ قتاليةٍ دقيقة، لا مجال فيها للخطأ، حيث كان كلٌّ منهما يترقّب ثغرةً في خصمه.
تصاعد صوت احتكاك السيوف في الفضاء، حادًّا ومتكرّرًا، بينما اشتدّ التوتر بينهما، وكأنّ كل ضربةٍ تحمل في طيّاتها اختبارًا للقوّة والمهارة.
وفي لحظةٍ خاطفة، استغلّ حمزة خطأ أثناء تحركات الملثم، فضرب سيفه بقوة، فانكسر سيف الملثّم وتناثر جزءٌ منه على الأرض، وبقي أعزل لا يملك وسيلةً للدفاع.
تراجع الملثّم خطوة، ثم قال بنبرةٍ ثابتة رغم الموقف:
— يمكنك أن تقتلني الآن… فأنا أعزل.
خفّض حمزة سيفه قليلًا، وقال بحزم:
— لا… لن أفعل ذلك، فهذه ليست من شِيَمي.
ظلّ الملثّم صامتًا لحظة، ثم استدار منصرفًا، وقال وهو يبتعد:
— سنلتقي مرةً أخرى… وعندها سأنتصر عليك.
أجابه حمزة بثقة:
— سأكون في انتظارك.
تابع حمزة بحثه حتى أرخى الليل سدوله، وقد بدأ التعب يتسلّل إلى جسده، غير أنّ عزيمته لم تخبُ.
وما إن استقرّ في نفسه ما جرى، حتى قرّر التوجّه نحو بيت الشيخ همّام، ليُخبره بما حدث، لعلّ في ذلك ما يفيد في الوصول إلى خيطٍ يقوده إلى عمرو.
امتطى فرسه وانطلق في ظلمة الليل، يشقّ الطريق بعزم، بينما كانت الأفكار تتزاحم في ذهنه حول ذلك الفارس الملثّم، وكأنّ لقاءه به لم يكن مصادفة.
وصل إلى بيت الشيخ، فترجّل وطرق الباب طرقًا خفيفًا، ولم تمضِ لحظات حتى فُتح الباب، وظهرت نور مبتسمة، وقالت بترحيب:
— أهلًا بك أيها البطل حمزة.
أومأ لها تحيةً وقال:
— هل يمكنني رؤية الشيخ؟
أجابت بهدوء:
— بالطبع، فهو ينتظر وصولك ليخبرك بأمرٍ ما.
اندهش حمزة، فهو لم يكن يتوقّع أن يكون الشيخ بانتظاره، ثم دخل بخطواتٍ متسارعة، وقد بدأ الفضول يتملّكه.
كان البيت غارقًا في سكون الليل، تتخلّله أضواء خافتة، بينما بدا على حمزة توتّرٌ خفيف ممزوج بالترقّب، في حين كانت نور تراقبه بنظرةٍ هادئة، وكأنّها تدرك أنّ ما سيُقال بعد قليل لن يكون أمرًا عاديًا.
قال الشيخ همّام مرحّبًا، وقد بدت على وجهه ملامح ارتياح:
— أهلًا بك يا بُني، ماذا جرى معك؟

رد حمزة بنبرةٍ يملؤها الأسف:
— يا سيدي… لم أعثر بعد على ابنك، وأعتذر عن ذلك.
نظر إليه الشيخ همّام بهدوء، وقال:
— لا عليك يا بُني.
انعقدت الدهشة على وجه حمزة، إذ لم يكن يتوقّع هذا الردّ الهادئ، وكأنّ الشيخ لم يُبدِ القلق الذي اعتاده منه، فبقي ينظر إليه متسائلًا في صمت.
قال الشيخ همّام بنبرةٍ هادئة، وكأنّه أدرك ما يدور في خاطر حمزة:
— أظنّك استغربت من ردّي، أليس كذلك؟
أجاب حمزة بصراحة:
— هذا صحيح يا سيدي.
تنفّس الشيخ بعمق، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:
— يا بُني، إنني آمرك بالتوقّف عن البحث… فإن كان الله قد كتب لي لقاء ابني، فسيسهل لي ذلك.
تردّد حمزة قليلًا، وقال:
— ولكن…
قاطعه الشيخ بنبرةٍ لا تقبل الجدل:
— لقد أخبرتك بالأمر.
خفَض حمزة رأسه احترامًا، وقال:
— حسنًا يا سيدي… كما.
ثم استأذن حمزة بالانصراف، فأذن له الشيخ همّام، فنهض متجهًا نحو الباب بهدوء.
وكعادتها، تبعته نور لتودّعه، وما إن وصلا إلى الباب حتى قالت بنبرةٍ لطيفة:
— انتبه على نفسك.
ابتسم حمزة ابتسامةً خفيفة، وقال:
— حسنا يا نور.
أومأت نور برأسها وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ هادئة، بينما خرج حمزة بخطواتٍ متأنّية، لا تزال كلمات الشيخ تتردّد في ذهنه.
دخل حمزة بيته بهدوء، وقد لفّ الليل المكان بسكونه، فوجد أخته كوثر وأخاه صالح غارقين في نومٍ عميق.
اقترب منهما بخطواتٍ خفيفة، ثم انحنى وقبّل رأسيهما برفق، كأنّه يستمدّ منهما طمأنينةً خفيّة بعد يومٍ طويل.
بعدها تمدّد إلى جوارهما، وما هي إلا لحظات حتى استسلم للنوم، وقد أثقله التعب وتزاحمت في ذهنه أحداث اليوم.
وفي اليوم التالي، جلس حمزة بعد صلاة الفجر يتناول طعامه مع أخته كوثر وأخيه صالح، وقد بدت على ملامحه طمأنينةٌ لم تظهر عليه منذ أيام.
نظرت إليه كوثر مبتسمة، وقالت:
— يبدو أن مهمّتك في البحث عن ابن الشيخ قد انتهت.
أجاب حمزة بهدوء:
— لقد أعفاني الشيخ منها.
قالت كوثر بارتياح:
— هذا رائع… إذن ستعود كما كنت.
ابتسم حمزة ابتسامةً خفيفة، وقال بثقة:
— بل أفضل… فأنا الآن صافي الذهن، مرتاح البال.
خرج حمزة إلى متجره مع إشراقة الصباح، وانشغل بأعماله طوال النهار، يستقبل الزبائن وينظّم بضاعته، وقد بدا أكثر حضورًا وتركيزًا من ذي قبل.
ظلّ على تلك الحال حتى وقت العصر، حين جاء صالح ليأخذ مكانه كما اتفقا، فتبادلا حديثًا قصيرًا قبل أن يغادر حمزة.
ترك حمزة المتجر لأخيه، وانطلق متجهًا نحو طريقه بهدوء، بينما بقي صالح منشغلًا بالعمل حتى يحين وقت العشاء.
وبالطبع، اتّجه حمزة نحو بيت الشيخ همّام، وطرق الباب طرقًا خفيفًا، وكعادتها فتحت له نور، وقد بدت أكثر عافيةً من ذي قبل.
قال حمزة مبتسمًا:
— السلام عليكم، هل يمكنني رؤية الشيخ؟
أجابت نور:
— وعليكم السلام… في الحقيقة، إنّ أبي نائم الآن.
قال حمزة:
— إذن سأعود لاحقًا لأراه.
سارعت نور قائلة:
— لا، يمكنك الدخول وانتظاره.
تردّد لحظة، ثم قال:
— حسنًا… سنتحدّث قليلًا ريثما يستيقظ.
تنحّت نور جانبًا ليدخل، بينما خيّم على المكان هدوءٌ لطيف، تغمره أجواء العصر الساكنة.
دخل حمزة برفقة نور، وجلسا غير بعيدٍ عن الشيخ همّام، الذي كان لا يزال غارقًا في نومه، وقد بدت على ملامحه آثار التعب الذي أنهكه في الأيام الماضية.
تبادلا أطراف الحديث بصوتٍ خافت، حرصًا على ألا يوقظاه، فتحدّثا عن أمورٍ بسيطة، تتخلّلها لحظات صمتٍ قصيرة، كان كلٌّ منهما يشعر فيها بشيءٍ من الارتياح في حضور الآخر.
وبعد وقتٍ قصير، تحرّك الشيخ همّام في مكانه، ثم فتح عينيه ببطء، وما إن وقع بصره على حمزة حتى قال بابتسامةٍ هادئة:
— أهلًا يا بُني… لقد سررت برؤيتك اليوم.
ابتسم حمزة وردّ بلطف:
— وأنا أيضًا سعيد برؤيتك يا سيدي.
قال الشيخ همّام بنبرةٍ يغلب عليها التأثّر:
— يا حمزة… كم كنتُ أتمنّى لو كنتَ ابني.
تأثّر حمزة بكلماته، ثم قال بصوتٍ صادق:
— لكن يا سيدي… أنا أعدّك مثل أبي، فقد فقدتُ والديّ وأنا في الرابعة من عمري، جرّاء حربٍ داخلية وقعت في قريتنا، ومنذ ذلك الحين كانت أختي كوثر تقوم مقام أمّي، وأنت الآن في منزلة أبي.
قال الشيخ همّام بنبرةٍ يغلب عليها الحزن:
— يبدو أنّ ما جرى في قريتكم شبيهٌ بما أصابنا هنا.
قال حمزة باهتمام:
— لقد نسيت أن أسألك يا سيدي… ما قصة الحرب التي وقعت في هذه القرية؟
تنهّد الشيخ قليلًا، ثم قال:
— كنتُ شيخ هذه القرية منذ أن بلغتُ الثلاثين من عمري، وكان الناس يحبّونني ويحترمون مكانتي بينهم… لكن كلّ شيء تغيّر حين أصبحتُ مقعدًا قبل عام. شعرتُ آنذاك أنّ الأجل قد يدركني في أي لحظة، فأعلنتُ ابني عمرو، البالغ من العمر إحدى وعشرين عامًا، خليفةً لي.
صمت لحظة، ثم تابع:
— تقبّل معظم أهل القرية ذلك، لكن بعض الوجهاء الذين كانوا يطمعون في أن يخلفوني، أظهروا سخطهم، ثم أعلنوا العصيان قبل شهر، وانحازوا إلى ناحيةٍ من القرية، لتندلع بعدها حربٌ لم تدم سوى ثلاثة أيام… لكنها خلّفت ما ترى من دمار، رغم مرور قرابة الشهر عليها.
خفَض حمزة رأسه وقال بأسى:
— يؤسفني سماع قصتك المحزنة يا سيدي.
ثم ظل حمزة جالسا يتحدث مع الشيخ همام حتى حل الليل.
قال حمزة وهو ينهض بهدوء:
— أستأذنك في الانصراف يا سيدي.
أجاب الشيخ همّام بنبرةٍ ودودة:
— تفضّل يا بُني، أراك قريبًا… في أمان الله.
أومأ حمزة احترامًا، ثم استدار متجهًا نحو الباب، وقد بدا على ملامحه شيءٌ من التفكير العميق فيما سمعه.
تبعته نور لتودّعه، تمشي خلفه بخطواتٍ هادئة، حتى بلغا الباب معًا.
قالت نور بنبرةٍ يغلب عليها الاهتمام:
— انتبه على نفسك يا حمزة، ولا تنسَ أن تزورنا غدًا.
ابتسم حمزة وقال بلطف:
— شكرًا لحرصكِ عليّ يا نور، سأزوركم كلّ يومٍ إن شاء الله… ليلتكِ سعيدة، إلى اللقاء.
أجابت نور بهدوء:
— إلى اللقاء يا حمزة.
وهكذا أصبحت أيّام حمزة تسير على وتيرةٍ واحدة تقريبا؛ حيث يبدأ نهاره بعد صلاة الفجر، يجلس مع أخته كوثر وأخيه صالح لتناول الإفطار، ثم ينطلق إلى متجره، ينشغل فيه بالبيع والشراء حتى يحين وقت العصر.
عندها يتسلّم صالح مهمّة البقاء في المتجر، فيغادر حمزة متجهًا إلى بيت الشيخ همّام، حيث يقضي بقية يومه بين حديثٍ هادئ ورفقةٍ ألفها، ثم يعود مع حلول العشاء إلى بيته.
تكرّر هذا النظام يومًا بعد يوم، حتى غدا مألوفًا، كأنّ الحياة قد استقرّت على هذا النحو بعد اضطرابٍ طويل.
وخلال أسبوعٍ كاملٍ مضى بهذا النمط، أخذ حمزة يقترب من نور يومًا بعد يوم، لا في المسافة فحسب، بل في الحديث والمشاعر أيضًا.
كانت لقاءاتهما تتكرّر، وتتّسع معها أحاديثهما، من كلماتٍ عابرة إلى حواراتٍ أطول، يتبادلان فيها ما خفّ وثقل، حتى بدأت الألفة تنمو بينهما بهدوء.
لم يكن الأمر مفاجئًا، بل جاء تدريجيًا، كأنّه نتيجة طبيعية لتكرار اللقاءات وصدق المشاعر، حتى أصبح وجود كلٍّ منهما في حياة الآخر أمرًا مألوفًا لا يُستغرب.
وفي تلك الليلة، وبينما كانت نور تودّعه عند الباب كعادتها، توقّف حمزة لحظة، ثم قال بنبرةٍ متردّدة تحمل شيئًا من الجدية:
— يا نور… أودّ أن أُصارحك بشيء.

نظرت إليه باهتمام، وقالت بهدوء:
— قل يا حمزة، أنا أُصغي إليك.
قال حمزة بصوتٍ متردّد، وقد بدت عليه الحيرة:
— لا أدري كيف أُعبّر عمّا في قلبي يا نور…
ابتسمت نور ابتسامةً مطمئنة، وقالت بلطف:
— لا تتحرّج مني يا حمزة، فنحن كأسرة واحدة الآن، وأنا مستعدة لسماعك مهما كان ما تريد قوله.
قال حمزة بعد تردّدٍ قصير، وقد جمع شجاعته أخيرًا:
— في الحقيقة يا نور… أنا معجبٌ بكِ، لقد أسَرني جمالكِ، وتعلّق قلبي بوجهكِ المشرق… فاعذريني إن بدا كلامي جريئًا.
نظرت إليه نور بهدوءٍ وثقة، ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفة وقالت:
— كنت أعلم أنّك ستقول ذلك… وأريد أن أخبرك يا حمزة أنّني أبادلك الشعور نفسه، بل وربما أشد.
قال حمزة بنبرةٍ هادئة وقد بدت عليه سكينةٌ لم يعهدها من قبل:
— تصبحين على خير يا نور.
ابتسمت نور ابتسامةً دافئة، وقالت:
— ليلتك سعيدة يا حمزة.
وفي اليوم التالي، سارت الأمور على الوتيرة نفسها، حيث جاء حمزة إلى بيت الشيخ همّام، وتحدّث معه كعادته، ثم همّ بالانصراف.
تبعته نور إلى الباب لتودّعه، فالتفت إليها وقال بنبرةٍ جادّة:
— يا نور، أريد أن تساعديني في أمرٍ ما.
نظرت إليه باهتمام، وقالت بثقة:
— قل يا حمزة، فأنا مستعدة لمساعدتك.
قال حمزة بنبرةٍ جادّة:
— يا نور، أريد منكِ أن تبحثي لي عن بيتٍ قريبٍ من هنا، يكون صاحبه راغبًا في بيعه.
نظرت إليه بدهشةٍ خفيفة وقالت:
— أتقصد أنّك تريد الانتقال إلى قريتنا؟
أومأ حمزة مؤكدًا:
— نعم، هذا ما أريده… أودّ أن أكون قريبًا منكم.
ابتسمت نور ابتسامةً تحمل شيئًا من الفرح، وقالت:
— حسنًا، أعدك بأن أبحث لك عن بيت، وغدًا ستجد ما يسعدك.
عاد حمزة إلى بيته مع حلول الليل، فوجد أخته كوثر جالسةً تنتظره، بينما كان صالح قد غلبه النوم بعد يومٍ طويل.
قالت كوثر بابتسامةٍ خفيفة:
— أهلًا بعودتك يا أخي.
جلس حمزة قليلًا، ثم قال بنبرةٍ متردّدة:
— أختي… ما رأيك أن ننتقل للعيش في قرية النسيم؟
عقدت كوثر حاجبيها وقالت:
— لكنّي سمعت أنّها أصبحت خرابًا.
أجابها بهدوء:
— ليس إلى هذا الحدّ، لقد بدأت الحياة تعود إليها شيئًا فشيئًا، وبدأ بعض الناس يستوطنونها من جديد، ونريد أن نكون جزءا من تلك القرية.
صمتت لحظة، ثم قالت:
— حسنًا… افعل ما تراه مناسبًا، فأنت رجل هذا المنزل.
نظر إليها حمزة وقال بصدق:
— لكنّي فضّلت أن أستشيرك.
ابتسمت كوثر وقالت:
— وأنا أوافقك في أيّ قرارٍ تتّخذه.
قال حمزة بنبرةٍ حاسمة:
— إذن، سأبدأ بالبحث عن بيتٍ نشتريه في تلك القرية.
ابتسمت كوثر وقالت بلطف:
— حسنًا… كُل طعامك الآن يا أخي العزيز.
نظر إليها حمزة بشيءٍ من العناد المحبّب، وقال:
— والله، لن أمدّ يدي إليه إن لم تأكلي معي.
تنهدت كوثر مبتسمة، ثم قالت:
— حسنًا يا أخي… لن أرد قسمك.
وفي اليوم التالي، بدأت نور تبحث عن بيتٍ مناسب، فكانت أولى خطواتها نحو البيت المجاور.

طرقت الباب، وما إن فُتح حتى قالت بلطف:
— السلام عليكم.
أجاب صاحب البيت بدهشةٍ ممزوجة بالاحترام:
— وعليكم السلام… ابنة الشيخ همام! لا أصدق أنّكِ هنا.
ابتسمت نور ابتسامةً خفيفة، وقالت معتذرة:
— أعتذر إن كنتُ قد أزعجتك، إنما جئتُ لأسأل… هل تعلم إن كان أحدٌ من الجيران يرغب في بيع بيته؟
قال صاحب البيت بنبرةٍ يغلب عليها التقدير:
— في الحقيقة يا سيدتي… أنا أرغب في بيع هذا البيت.
نظرت إليه نور باهتمام، وقالت:
— وبكم تبيعه؟
تردّد الرجل قليلًا، ثم قال باحترامٍ واضح:
— ضعي أنتِ السعر الذي ترينه مناسبًا يا سيدتي… بل لو أردتِه دون مقابل، فهو لكِ.
انعقدت الدهشة على وجه نور من قوله، بينما بدا الرجل متمسّكًا برأيه، وقد ظهر في صوته امتنانٌ عميق لمكانة الشيخ، في حين خيّم على المكان جوٌّ من التوقير، امتزج فيه الكرم بشيءٍ من الوفاء القديم.
قالت نور بنبرةٍ حازمة، ممزوجة بالعدل:
— سأشتريه منك بخمسين دينارًا ذهبيًا.
اتّسعت عينا الرجل دهشة، وقال:
— خمسون دينارًا ذهبيًا؟! أنا مستعد أن أبيعه لكِ ومعه عشرة بيوتٍ مثله!
هزّت نور رأسها برفق، وقالت:
— لا لا… أريد هذا البيت فقط، وهذا ثمنه. خذ نقودك.
تناول الرجل المال بامتنانٍ بالغ، وقال:
— شكرًا لكِ يا سيدتي.
كان البيت بسيطًا، تغمره آثار الإهمال نوعا ما، لكنّه يحتفظ بهيبةٍ خفيّة، وكأنّه ينتظر من يعيد إليه الحياة، بينما وقفت نور في وسطه بهدوء، وقد ارتسمت على وجهها ملامح رضا.
في المساء، جاء حمزة إلى بيت الشيخ همّام، فوجد نور تنتظره أمام الباب.
قالت بابتسامةٍ واضحة:
— أهلًا يا حمزة، لقد وجدتُ لك البيت الذي طلبته.
اتّسعت عيناه بدهشة، وقال:
— حقًّا؟ وأين هو؟ وكم ثمنه؟
أشارت بيدها إلى البيت المجاور، وقالت:
— هو هذا البيت… أمّا الثمن، فلا تشغل بالك به، فقد اشتريتُه، واعتبره هدية مني.
نظر إليها حمزة بدهشةٍ ممزوجة بالامتنان، وقال:
— أنا ممتنٌّ لكِ كثيرًا يا نور.
وفي الليل، عاد حمزة إلى بيته، وقد بدت على وجهه ملامح الحسم، وما إن دخل حتى جمع أخته كوثر وأخاه صالح، وقال بنبرةٍ واضحة:
— استعدّا يا أخوي العزيزين… سنرحل غدًا إن شاء الله.
نظرت إليه كوثر بدهشةٍ خفيفة، بينما اعتدل صالح في جلسته وقد زال عنه أثر النعاس، فأكمل حمزة حديثه مبيّنًا أنّه وجد بيتًا في قرية النسيم، وأنّ الوقت قد حان لبدء مرحلةٍ جديدة.
وهكذا انتهى الفصل الأول، حيث كان حمزة وإخوته على أعتاب مرحلة جديدة في حياتهم.
إذا نال هذا الفصل إعجابكم، فلا تنسوا ترك تعليق جميل مثلكم، ووضع تقييم يعكس رأيكم، فكل كلمة منكم هي دعم وتشجيع يفتح لنا أبواب الإبداع أكثر. 😁
قيّم هذا الفصل
⭐ —/10
لا توجد تقييمات بعد