الفصل 1

من الدكة إلى المجد الأول

1141 كلمة · ≈6 دقيقة قراءة

كان ملعب طرابلس الدولي يستعد لليلة استثنائية. نهائي كأس ليبيا بين قطبي العاصمة: الاتحاد والأهلي طرابلس. المدرجات تغلي، نصفها يصرخ بألوان الاتحاد الحمراء، والنصف الآخر يهتف باللون الأخضر الأهلاوي. الأعلام ترفرف، الطبول تدق، والهتافات ترتفع كأنها موجة لا تنكسر.

على دكة الاحتياط جلس زياد، شاب في الخامسة والعشرين، يرتدي قفازيه وكأنهما درعان يحميان حلمًا مؤجلًا.

كان زياد ابن نادي الاتحاد الليبي، تربى بين جدرانه منذ أن كان طفلًا صغيرًا يتدرب في الفئات السنية، يحلم أن يصبح يومًا الحارس الذي تهتف باسمه الجماهير. لكن الليلة، في أهم مباراة بالموسم، كان مجرد "الحارس البديل".

زياد لم يكن غريبًا عن هذا الشعور؛ سنوات طويلة قضاها في الظل، يتدرّب بجد، يثبت نفسه في كل حصة تدريبية، ويشارك أحيانا عندما يكون وضع الفريق مريحا، لكنه في المباريات الكبيرة كان دائمًا على الهامش.

الحارس الأساسي"خالد" كان نجمًا لامعًا، صاحب خبرة طويلة، والجماهير تثق به ثقة عمياء. أما زياد، فكان عليه أن ينتظر فرصته، وربما لا تأتي أبدًا.

جلس على الدكة، يراقب الملعب بعينين متقدتين، قلبه يخفق مع كل هجمة، كان يعرف أن كرة القدم لا ترحم، وأن لحظة واحدة قد تغيّر كل شيء.

في داخله، كان يعيش صراعًا بين الأمل واليأس. الأمل أن يُستدعى يومًا ليحرس المرمى في مباراة مصيرية، واليأس من أن يبقى مجرد اسم في قائمة البدلاء.

لكنه رغم ذلك، كان يهيئ نفسه دائمًا: يتدرّب بجد، يحافظ على لياقته، يدرس خصومه، وكأنه يعلم أن القدر سيختبره في لحظة غير متوقعة.

كانت المباراة تسير في اتجاهٍ متوتر. الاتحاد متقدّم بهدف نظيف، والجماهير تهتف بأعلى صوتها، بينما الأهلي طرابلس يضغط بكل ما أوتي من قوة. خالد كان يتصدّى ببسالة، لكن القدر كان يخبئ مفاجأة.

في الدقيقة الثالثة والستين، ارتطم وجه خالد بركبة مهاجم الأهلي "وليد" أثناء محاولة إنقاذ كرة خطيرة. سقط أرضًا، والملعب كله تجمّد للحظة.

دخل الطاقم الطبي مسرعًا، والأنفاس محبوسة. دقائق قليلة كانت كافية ليعلن طبيب الفريق أن خالد غير قادر على الاستمرار.

عندها، التفت المدرب "مصطفى" نحو الدكة، وصوته يعلو وسط الضجيج:

"زياد، استعد… أنت ستدخل."

ارتجف قلب زياد، لكنه نهض بثبات. ارتدى القفازات بإحكام، وكأنها صارت جزءًا من جلده.

خطا نحو الملعب، والجماهير بين مشجع متفائل وآخر متوجس، البعض يهمس: "هل يستطيع هذا الشاب أن يحمي المرمى في نهائي الكأس؟"

دخل زياد أرضية الملعب، والعرق يتصبب من جبينه قبل أن يلمس الكرة. أول لمسة له كانت تمريرة قصيرة من المدافع، لكنه شعر بثقلها كأنها اختبار من القدر.

دقائق قليلة كانت كافية ليجد نفسه أمام أول تسديدة قوية من الأهلي، كرة صاروخية من خارج المنطقة. اندفع زياد بكل ما يملك، ونجح في إبعادها بقبضة يده، لتعلو المدرجات بصيحة مدوّية.

لكن الضغط لم يتوقف. الأهلي طرابلس كثّف هجماته، وفي الدقيقة الرابعة والسبعين نجح في إدراك التعادل. الملعب انفجر، وزياد شعر أن كل الأنظار مسلّطة عليه. لم يكن مجرد بديل بعد الآن، بل أصبح محور القصة.

حاول أن يستجمع قواه، يصرخ في المدافعين، يوجّههم، يثبت أنه قائد رغم دخوله المفاجئ. ومع ذلك، لم يرحمه الأهلي، ففي الدقيقة الثمانين سجّل هدفًا ثانيًا، لتتحول النتيجة إلى 2-1 لصالح الأهلي. بدا أن الكأس يبتعد عن الاتحاد، والجماهير بدأت تفقد الأمل.

لكن في الدقيقة الأخيرة من الوقت الأصلي، نجح الاتحاد في تسجيل هدف قاتل، أدركوا به التعادل، لتعود المباراة إلى نقطة الصفر: 2-2. زياد رفع يديه عاليًا، يصفق لزملائه، ويشعر أن القدر يمنحه فرصة ثانية.

مع صافرة الحكم، انتهى الوقت الأصلي، والجماهير تدرك أن الحكاية لم تنتهِ بعد. زياد، الذي دخل بديلاً، أصبح الآن في قلب المعركة، يستعد لوقت إضافي قد يحدّد مصيره ومصير ناديه.

بدأ الوقت الإضافي، والملعب يغلي كأن المباراة للتو بدأت. الأنفاس متقطعة، والعيون مشدودة نحو المستطيل الأخضر. زياد، الذي دخل بديلاً، أصبح الآن في قلب العاصفة. كل كرة تمر بالقرب من مرماه كانت كأنها اختبار جديد، وكل هجمة للأهلي طرابلس كانت تهديدًا مباشرًا لآمال الاتحاد.

في الدقائق الأولى من الشوط الإضافي، حاول الأهلي أن يحسم اللقاء سريعًا، تسديدات متتالية، عرضيات خطيرة، لكن زياد كان حاضرًا. تصدى لكرة رأسية من داخل المنطقة، ثم أبعد تسديدة أرضية بقدمه، ليبدأ الجمهور في الهتاف باسمه لأول مرة: "زياد… زياد… زياد!"

الوقت يمضي، والنتيجة لا تتغير. 2-2، والعرق يتصبب من اللاعبين، والإرهاق ينهش أجسادهم. زياد كان يصرخ في المدافعين، يوجّههم، يطالبهم بالتركيز، وكأنه قائد وُلد في تلك اللحظة. كل تصدٍ كان يزيد ثقته بنفسه، وكل هتاف من المدرجات كان يرفع روحه المعنوية.

مع نهاية الوقت الإضافي، بدا أن المباراة تتجه نحو الحسم الأكثر قسوة: ركلات الترجيح. تلك اللحظة التي تختزل كل شيء في ثوانٍ معدودة، حيث يصبح الحارس بطلًا أو مذنبًا، والجماهير لا ترحم.

وقف زياد في دائرة اللاعبين، المدرب يوزع الأدوار، والوجوه متوترة. لكن زياد كان هادئًا بشكل غريب، وكأن قلبه وجد إيقاعه الخاص. قال لزملائه بصوت ثابت:

"لا تخافوا… أنا هنا لأجل هذه اللحظة."

بدأت الركلات، مهاجم الأهلي يسدد الأولى في الجهة اليمنى ويسجل.

يطلق مهاجم الاتحاد تسديدة صاروخية في الوسط، لتسكن شباك "عمر" حارس الأهلي.

[1-1]

الركلة الثانية، لاعب الأهلي يسدد ناحية اليسار، بينما يرتمي زياد ناحية اليمين، لتستقر الكرة في الشباك.

لاعب الاتحاد يسدد في الناحية اليمنى، يتجه لها عمر، ولكن قوة التسديدة، جعلت الكرة تمر من فوق يد عمر وتهز شباكه.

[2-2]

الركلة الثالثة، لاعب الأهلي يسدد كرة قوية نحو الزاوية اليمنى، لكن زياد اندفع كالصقر، مد يده وأبعدها ببراعة. المدرجات انفجرت، في حين نهض زياد ورفع قبضته عاليًا، كأنه يعلن ميلاد بطل جديد.

حان دور تسديدة الاتحاد الثالثة، يتقدم لاعب الاتحاد ويسدد، ولكن المرة تطير نحو الجماهير.

[2-2]

الركلة الرابعة للأهلي، لاعب الأهلي ينفذ الكرة ببراعة ويضعها في الزاوية العليا اليمنى، بينما يرتمي زياد نحو الجهة اليسرى.

يتقدم لاعب الاتحاد، ويحافظ على حالة التعادل، بتنفيذ دقيق للركلة، واضعا إياها في الزاوية اليسرى السفلية من مرمى عمر

[3-3]

الركلة الخامسة للأهلي، زياد يقرأ حركة المهاجم، ينقض نحو الزاوية اليسرى، ويصد الكرة مرة أخرى. الملعب يهتز، الجماهير تصرخ باسمه.

الآن، كل شيء يتوقف على الركلة الخامسة للاتحاد. الركلة التي قد تهديهم الكأس، الركلة التي ستُكتب في التاريخ.

المدرب مصطفى يوجه المنفذ الخامس، لكن زياد يبتسم، يطلب الكرة، ويقول بثقة:

"دعوني أنهي ما بدأته."

رد مصطفى بتساؤل:

"هل تستطيع فعل ذلك يا زياد؟ "

أومأ زياد بثقة قائلا:

"اعتمد عليّ يا مدربي."

قال مصطفى بقلق:

"حسنا…"

وقف زياد عند علامة الجزاء، الكرة أمامه، والملعب كله صامت كأن الزمن توقف. آلاف العيون تترقبه، بعضها يثق، وبعضها يتوجس، لكن قلبه كان ثابتًا. تذكّر كل لحظة تدريب، كل يوم جلس فيه على الدكة ينتظر فرصته، كل حلم راوده وهو طفل في أزقة طرابلس. الآن، كل ذلك يتجمع في هذه اللحظة.

تراجع خطوات قليلة، ثم تقدّم بثبات. سدد الكرة بقوة ودقة نحو الزاوية اليسرى، اندفع عمر نحوها، لكن الكرة كانت أسرع. هزت الشباك، وانفجر الملعب بصيحات لا تنتهي. الاتحاد بطل كأس ليبيا، وزياد هو الاسم الذي يتردد في كل مكان.

ركض زملاؤه نحوه، رفعوه على الأكتاف، والجماهير تهتف باسمه كأنها لم تعرف غيره. دموعه انهمرت، ليس من ضعف، بل من فرحٍ عظيم. في لحظة واحدة، تحوّل من "الحارس البديل" إلى "بطل الكأس"، من لاعب ينتظر فرصته إلى رمزٍ للشجاعة والإصرار.

على منصة التتويج، حين رفع الكأس عاليًا، شعر أن كل ما مرّ به لم يكن عبثًا. كل انتظار، كل صبر، كل لحظة شك، كانت طريقًا يقوده إلى هذه اللحظة. زياد لم يعد مجرد لاعب في الاتحاد، بل أصبح قصة تُروى، مثالًا للشباب أن الأحلام لا تموت، وأن الفرص تأتي لمن يستعد لها.

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد