الفصل 1
الفصل 1
1662 كلمة · ≈8 دقيقة قراءة
الإهداء
إلى الذين آمنوا أن بعض الرسائل لا تضيع...
بل تتأخر حتى تجد القلب الذي يستحق قراءتها.
إلى كل من كتب كلماتٍ لم يجرؤ على إرسالها،
وإلى كل من انتظر رسالةً لم تصل أبدًا.
إلى أصحاب المكتبات القديمة،
الذين يعرفون أن الورق يحتفظ بالأسرار أكثر مما تحتفظ بها الذاكرة.
إلى أولئك الذين التقوا الحب متأخرًا،
فاكتشفوا أن الزمن قد يؤجل اللقاء...
لكنه لا يلغيه.
وإلى كل قلبٍ يؤمن أن القدر قد يختبئ أحيانًا...
داخل ظرفٍ أصفر،
بين سطور رسالةٍ نسيها الجميع.
هذه الرواية لكم.
المقدمه
هناك رسائل تُكتب لكي تصل.
ورسائل تُكتب لأنها لا تستطيع الوصول.
لكن الأخطر...
هو ذلك النوع من الرسائل الذي يغيّر مصير البشر، حتى وإن ظل حبيس صندوقٍ مغلق لعشرات السنين.
يقولون إن الكلمات تموت إذا لم تُقرأ.
لكن الحقيقة مختلفة.
الكلمات لا تموت...
إنها تنتظر.
تنتظر يدًا تمتد إليها، وعينين تقرآنها، وقلبًا يمنحها حياةً جديدة.
في أحد أركان مكتبةٍ قديمة، بعيدًا عن ضجيج المدينة، ظل صندوق خشبي صغير مغطى بطبقة كثيفة من الغبار، لا يلفت انتباه أحد.
بدا كأي صندوقٍ منسي.
إلا أنه لم يكن يخفي مالًا، ولا وثائق رسمية، ولا كنزًا أثريًا.
كان يخفي عشرة قلوب.
وعشر حكايات.
وعشر رسائل...
لم تصل أبدًا إلى أصحابها.
ولم يكن أحد يعلم أن فتح ذلك الصندوق سيوقظ أسرارًا دُفنت منذ سنوات، وسيجمع شخصين لم يسبق أن التقيا، ليصبحا جزءًا من قصة بدأت قبل ولادتهما بزمن طويل.
فبعض الرسائل...
لا تبحث عن أصحابها.
بل تبحث عمّن يملك الشجاعة لفتحها.
الفصل الأول
الصندوق الذي انتظر طويلًا
كانت ليان تؤمن أن للمكتبات روحًا.
ولعل هذا هو السبب الوحيد الذي جعلها ترفض بيع مكتبة جدها، رغم كل العروض التي انهالت عليها بعد وفاته.
لم تكن المكتبة كبيرة.
واجهة خشبية باهتة، لافتة قديمة كُتب عليها بخطٍ يدوي: "مكتبة الورّاق"، وجرس نحاسي صغير يرن كلما دخل أحد.
في الصباح، كانت المدينة تستيقظ على أصوات السيارات والمحال التي تفتح أبوابها، بينما كانت ليان تستيقظ على رائحة الورق القديم.
فتحت الباب.
رنّ الجرس.
ابتسمت تلقائيًا.
"صباح الخير."
قالتها بصوت خافت، كما لو أن الكتب تسمعها كل يوم.
وضعت حقيبتها خلف المكتب الخشبي، ثم بدأت روتينها المعتاد.
فتحت النوافذ.
مسحت الغبار عن الرفوف.
عدّلت كتابًا كان مائلًا.
وأعدّت كوبًا من القهوة.
لم يدخل أي زبون طوال الساعة الأولى.
وهذا لم يعد يزعجها.
بل صار جزءًا من حياة المكتبة.
جلست خلف المكتب، تتصفح دفتر الحسابات.
تنهدت.
الإيجار.
فاتورة الكهرباء.
فاتورة الإنترنت.
ورقة صغيرة كتب عليها بخط يدها:
"إذا لم تتحسن المبيعات هذا الشهر... سأضطر لاتخاذ قرار لا أريده."
أغلقت الدفتر بسرعة، كأنها تهرب من الجملة.
في تلك اللحظة، دخل رجل مسن.
لم يشتر شيئًا.
اكتفى بالتجول بين الرفوف، ثم سحب كتابًا قديماً، ابتسم، وأعاده إلى مكانه.
قبل أن يغادر قال:
"حافظي على المكان ده... الأماكن دي لما بتختفي، المدينة بتنسى نفسها."
هزت رأسها بابتسامة.
لم تعرف لماذا بقيت كلماته تدور في ذهنها بعد خروجه.
---
مع اقتراب الظهيرة، قررت ترتيب المخزن الخلفي.
كان بابه الخشبي يصدر صريرًا اعتادت عليه منذ طفولتها.
تكدست الصناديق فوق بعضها.
كتب مدرسية قديمة.
مجلات صفراء.
خرائط.
وصور بالأبيض والأسود لا تعرف أصحابها.
أثناء تحريك أحد الأرفف، سمعت صوتًا مكتومًا.
توقفت.
أزاحت الرف قليلًا.
ظهر تجويف صغير في الحائط.
لم تره من قبل.
مدّت يدها بحذر.
كان بداخله صندوق خشبي صغير، داكن اللون، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار.
رفعته بصعوبة.
لم يكن ثقيلًا...
لكنه بدا وكأنه يحمل سنوات كاملة.
وضعت الصندوق فوق الطاولة.
مررت أصابعها على الغطاء.
ظهرت زخارف دقيقة أخفاها الغبار طويلًا.
وفي المنتصف...
حرفان متداخلان.
"أ"
و
"ل"
عبست.
لا تعرف هذين الحرفين.
حاولت فتح الصندوق.
لم يفتح.
أدارتْه بين يديها.
في الأسفل، وجدت مفتاحًا صغيرًا مثبتًا بشريط جلدي قديم.
ترددت.
ثم ابتسمت لنفسها.
"واضح إنك مستنيني."
أدخلت المفتاح ببطء.
دار مرة واحدة.
صدر صوت خافت.
ثم انفتح الغطاء.
في الداخل...
لم تجد ذهبًا.
ولا مالًا.
ولا أوراق ملكية.
فقط...
عشرة ظروف ورقية، مصفوفة بعناية، كأن أحدهم وضعها بالأمس.
كانت جميعها مغلقة بالشمع الأحمر.
وعلى كل ظرف رقم.
من واحد...
إلى عشرة.
أما الظرف الأخير...
فكان مختلفًا.
أصفر اللون.
باهت الحواف.
وكُتب عليه بخط أنيق:
"لا تفتحي هذه الرسالة إلا إذا قررتِ أن تغيّري حياة شخصٍ لا تعرفينه."
تجمدت يدها.
حدقت في الجملة طويلًا.
ثم ضحكت بخفة.
"أكيد حد كان بيحب الدراما."
لكنها...
لم تلمس الظرف.
بدلًا من ذلك، سحبت الظرف الأول.
قلبته بين يديها.
كان مكتوبًا على ظهره بخط صغير جدًا:
"بعض الرسائل لا تضيع... بل تختار موعد وصولها."
وفي اللحظة التي همّت فيها بكسر ختم الشمع...
رنّ جرس باب المكتبة.
رفعت رأسها.
دخل رجل يرتدي قميصًا رماديًا ويحمل حقيبة جلدية قديمة.
لم ينظر إلى الكتب.
لم يسأل عن عنوان.
كانت عيناه تبحثان عن شيء واحد فقط.
الصندوق.
الفصل الثاني
الرجل الذي جاء متأخرًا
لم تكن نظرة الرجل إلى الصندوق عابرة.
عرفت ليان ذلك فورًا.
كان في منتصف الثلاثينيات تقريبًا، طويل القامة، يرتدي قميصًا رماديًا بسيطًا، وساعة جلدية قديمة، ويحمل حقيبة سوداء بدت أثقل مما ينبغي.
توقف عند الباب للحظة.
رنّ الجرس النحاسي خلفه.
لكن عينيه...
لم تتحركا عن الطاولة.
عن الصندوق.
شعرت ليان بانقباض خفيف في صدرها.
أغلقت الغطاء بهدوء، ثم دفعت الصندوق قليلًا نحوها.
ابتسمت ابتسامة مهنية.
"أقدر أساعد حضرتك؟"
انتبه إليها كأنه خرج من شرود طويل.
ابتسم بدوره.
ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت.
"بدور على كتاب."
"اسمه إيه؟"
أخرج ورقة مطوية من جيبه.
ناولها لها.
نظرت إلى الاسم.
"فن ترميم المخطوطات والوثائق القديمة."
رفعت رأسها.
"غريب... محدش بيسأل عن النوع ده."
ابتسم الرجل.
"شغلي."
قادته إلى الرفوف الخلفية.
بدأت تبحث بين الكتب.
بينما كانت منشغلة، كانت تشعر بنظراته تتحرك في المكان.
ليس نحو الكتب...
بل نحو الطريق المؤدي إلى المخزن.
أخرجت الكتاب.
ناولته له.
أخذ يقلب صفحاته بعناية شديدة.
وكأنه لا يشتري كتابًا...
بل يتأكد من شيء.
سألته ليان:
"حضرتك بتشتغل في مكتبة؟"
هز رأسه.
"لا."
"دار نشر؟"
ابتسم.
"بشتغل في ترميم الوثائق."
توقفت لثوانٍ.
"يعني الرسائل القديمة... والمخطوطات والكلام ده؟"
"كل حاجة الورق نسيها... شغلي إني أفكرها."
أعجبها الوصف.
ابتسمت دون أن تشعر.
دفع ثمن الكتاب.
ثم قبل أن يغادر، التفت إليها.
"لو لقيتِ أي ورق قديم... أو رسائل... قبل ما تفتحيها، اتصلي بيا."
عقدت حاجبيها.
"إشمعنى؟"
أخرج بطاقة صغيرة ووضعها على المكتب.
آدم نادر
خبير ترميم وثائق تاريخية
ثم قال بهدوء:
"بعض الورق قيمته مش في اللي مكتوب فيه...
قيمته في اللي ممكن يضيع لو اتفتح بطريقة غلط."
غادر.
ظل الجرس يهتز بعد خروجه.
بقيت ليان تنظر إلى البطاقة.
ثم إلى الباب.
ثم إلى الصندوق.
همست لنفسها:
"هو عرف منين؟"
---
في الجهة الأخرى من المدينة...
كان آدم يقود سيارته بصمت.
أخرج هاتفه.
ضغط على رقم محفوظ.
رد صوت رجل مسن.
"لقيته؟"
أجاب آدم وهو يراقب الطريق:
"آه."
"والصندوق؟"
سكت لحظة.
ثم قال:
"اتفتح."
ساد الصمت.
لثوانٍ طويلة.
ثم جاءه الرد بصوت متوتر لم يسمعه من قبل.
"لازم تمنعها تقرأ الرسائل."
"ليه؟"
"لأن أول رسالة...
هتفتح باب مستحيل يتقفل."
انتهت المكالمة.
ظل آدم ممسكًا بالمقود بقوة.
كان يعلم أن ما قاله الرجل ليس مبالغة.
قبل سبع سنوات...
شاهد بنفسه كيف غيّرت رسالة واحدة حياة أسرة كاملة.
ومنذ ذلك اليوم...
أقسم ألا يسمح بتكرار الأمر.
---
عادت ليان إلى المخزن.
وضعت الصندوق أمامها مرة أخرى.
أطفأت هاتفها.
أغلقت باب المكتبة بالمفتاح.
جلست.
وسحبت الظرف الأول.
كان ختم الشمع الأحمر ما يزال سليمًا.
ترددت.
لكن فضولها كان أقوى.
أحضرت سكينًا صغيرًا لفتح المظاريف دون إتلافها.
مررت النصل برفق تحت الشمع.
وانفصل الختم.
فتحت الظرف ببطء.
أخرجت الورقة.
كانت رائحة الحبر القديم ما تزال واضحة.
وفي أعلى الصفحة...
لم يكن هناك اسم المرسل.
ولا اسم المرسل إليه.
فقط تاريخ.
17 أكتوبر 1998
ثم بدأت الرسالة بجملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقها:
"إذا وصلت هذه الرسالة إليك، فهذا يعني أنني فشلت... وأن شخصًا آخر سيدفع الثمن بدلًا مني."
توقفت ليان عن القراءة.
سمعت فجأة...
ثلاث طرقات هادئة على باب المكتبة.
رغم أنها متأكدة...
أنها أغلقت الباب منذ دقائق.
ثم ثالثة.
لم تكن قوية.
ولا مستعجلة.
بل كأن من يقف خلف الباب يعرف أن من في الداخل لن يفتح بسهولة.
تجمدت ليان في مكانها.
كانت الرسالة ما تزال بين يديها.
أغلقتها بسرعة وأعادتها إلى الظرف، ثم وضعته داخل الصندوق وأغلقت الغطاء.
سادت المكتبة لحظات من الصمت.
تقدمت نحو الباب بخطوات حذرة.
نظرت من الزجاج.
لم يكن هناك أحد.
فتحت الباب ببطء.
الشارع بدا طبيعيًا.
صاحب المقهى المقابل يجهز الطاولات.
وسيارة أجرة تمر ببطء.
وعجوز يسير مستندًا إلى عصاه.
لا أحد أمام المكتبة.
همست:
"أكيد تهيؤات."
وقبل أن تغلق الباب، انتبهت إلى شيء صغير عند العتبة.
ظرف أبيض.
لا يحمل طابعًا بريديًا.
ولا اسمًا.
التقطته بسرعة.
دخلت إلى الداخل وأغلقت الباب مرة أخرى.
فتحت الظرف.
لم يكن بداخله سوى بطاقة سوداء صغيرة.
كتب عليها بخط أبيض أنيق:
"أغلقي الصندوق... قبل أن يفتحك."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
قلبت البطاقة.
كان ظهرها فارغًا.
لا توقيع.
لا تاريخ.
لا شيء.
---
في تلك الليلة...
لم تستطع النوم.
كانت البطاقة على منضدة غرفتها.
والصندوق بجوار السرير.
كلما أغلقت عينيها، تذكرت بداية الرسالة.
"إذا وصلت هذه الرسالة إليك، فهذا يعني أنني فشلت..."
من هو؟
وفشل في ماذا؟
ومن الشخص الذي سيدفع الثمن؟
في الثالثة فجرًا، استسلمت لفضولها.
فتحت الصندوق مرة أخرى.
أخرجت الرسالة الأولى.
وأكملت القراءة.
«"لم أخف من الموت يومًا...
لكنني خفت أن يعيش بريءٌ العقاب الذي أستحقه أنا.
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فلا تبحث عن اسمي.
ابحث عن الطفل الذي اختفى في شتاء ثمانية وتسعين.
هو وحده يعرف الحقيقة."»
توقفت.
لم تفهم شيئًا.
طفل؟
اختفى؟
هل هذه قصة حقيقية؟
أم مجرد رواية كتبها أحدهم؟
قلبت الصفحة.
كانت النهاية ممزقة بعناية.
آخر سطرين مفقودين.
أعادت الورقة إلى الظرف.
ولأول مرة...
شعرت أن هناك من تعمد أن يقرأ هذه الرسالة ناقصة.
---
في صباح اليوم التالي...
رن هاتف المكتبة.
"مكتبة الورّاق... مع حضرتك."
جاءها صوت هادئ تعرفه.
"أنا آدم."
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال:
"فتحتي الصندوق، صح؟"
تجمدت يدها على السماعة.
"إنت بتراقبني؟"
"لا."
"أمال عرفت منين؟"
أجاب بعد تردد:
"لأن اللي حصل بعد فتحه... بيحصل كل مرة."
عقدت حاجبيها.
"كل مرة؟"
"ممكن أقابلك؟"
سكتت.
كان بداخلها عشرات الأسئلة.
لكن شيئًا ما في صوته...
لم يكن صوت شخص يخدعها.
بل صوت شخص يخشى أن يتأخر.
قالت أخيرًا:
"بعد ساعتين."
"هكون هناك."
وأغلق الخط.
---
في الموعد المحدد...
دخل آدم المكتبة.
هذه المرة لم ينظر إلى الصندوق.
نظر إليها.
بدت مرهقة.
وعيناها تحملان أثر ليلة بلا نوم.
قال بهدوء:
"قرأتي أول رسالة."
لم تجبه.
أخرجت البطاقة السوداء من درج المكتب.
وضعتها أمامه.
ما إن وقعت عيناه عليها...
حتى اختفت ملامح الهدوء من وجهه.
التقطها بسرعة.
وتغير لون وجهه.
همس، كأنه يحدث نفسه:
"مستحيل..."
رفعت ليان حاجبيها.
"إيه اللي مستحيل؟"
رفع رأسه إليها ببطء.
وقال الجملة التي غيّرت كل شيء:
"دي مش أول رسالة وصلتك...
دي أول تحذير."
قيّم هذا الفصل
⭐ —/10
لا توجد تقييمات بعد