الفصل 1
الفصل الأول: نيران الفجر
1158 كلمة · ≈6 دقيقة قراءة
كان الجرس يُقرع في مدينة "الأطراف" كل ليلة عند الساعة السابعة، لا لإعلان موعد، بل تحذيرًا: أغلقوا الأبواب. أطفئوا كل نور إلا نور المدفأة الأزرق. لا تصدّقوا الأصوات.
مع أول ضربة للجرس، كانت الشوارع تتحول من صخب إلى صمت خلال دقائق معدودة. الباعة يطوون بضاعتهم بسرعة محمومة، الأطفال يُسحبون من أيدي أمهاتهم دون نقاش، وحرّاس المدينة يبدأون طقسهم اليومي: إشعال "نيران الفجر" على طول السور الداخلي.
كانت النار زرقاء غريبة، لا تشبه أي نار عادية - باردة الضوء، حادة كشفرة، وتحتاج كل ليلة إلى كوبٍ من الدم البشري يُصب في قاعدة كل مشعل حتى تستمر مشتعلة حتى الفجر. آرين رأى "عربة الجمع" تمر في طريقه، عربة خشبية مغلقة تحرسها امرأتان صامتتان يرتديان أوشحة رمادية - علامة "جامعي الدم" الرسميين، أولئك الذين تعاقدوا مع المدينة على التبرع الدوري مقابل حصة من الطعام والحماية.
لمح آرين وجه فتى صغير، لا يتجاوز العاشرة، يجلس في مؤخرة العربة، يداه ترتجفان وهو يمسك بقطعة قماش ملطخة بالدم على ذراعه. نظر إلى آرين للحظة، ثم أشاح بوجهه بسرعة، وكأن الخجل أثقل عليه من الألم نفسه.
لم يكن هذا مشهدًا نادرًا. لكنه لم يتعوّد عليه أبدًا.
قبل أسابيع قليلة، سمع آرين حديثًا بين رجلين عند بوابة السوق، يتساءلان بصوت خافت عن سبب ارتفاع "حصة الدم" هذا الشهر. قال أحدهما إن أحد المشاعل الكبرى في الحي الشرقي بدأ يخفت، وإن الحراس يخشون أن يكون هناك خلل ما في التوازن - كأن الظلام خارج الأسوار يزداد جوعًا مع كل عام يمر. لم يفهم آرين وقتها ما قصده الرجل تمامًا. لاحقًا، سيتمنى لو لم يفهمه أبدًا.
آرين كان يعرف هذا الجرس أفضل من أي شيء آخر في حياته. سبع عشرة سنة، ولم يفته يومًا واحدًا موعد إغلاق الأسوار. كان يركض بين الأزقة الضيقة وهو يحمل كيسًا من العملات النحاسية القليلة التي جناها من مساعدة "غريغ" - الباحث الرسمي عن المفقودين - في تفتيش بيت عجوز ماتت وحدها قبل أسبوعين. لم يجدوا جثتها. وجدوا فقط بابها مفتوحًا، وظلًا على الحائط أطول من أي إنسان.
كان غريغ رجلًا صامتًا في الخمسينيات من عمره، فقد ثلاثة أصابع من يده اليسرى في "رحلة بحث" لم يتحدث عنها أبدًا. كان يدرّب آرين دون أن يعترف رسميًا بذلك - "أنت لست موظفًا، أنت فقط فتى يحمل حقيبتي" هكذا كان يقول دائمًا - لكنه علّمه كيف يقرأ آثار المخالب على الأبواب، وكيف يميز بين خدش حيوان بريّ وخدش شيء آخر لا اسم مريح له.
لم يخبر أخته بأي من ذلك.
كان يعلم أنها ستُصاب بالهلع، كما تفعل كل مرة يقترب فيها من الأسوار الخارجية أكثر من اللازم.
بيتهم كان صغيرًا، مبنيًا من طين وحجر رمادي، يقع في الحي الأخير قبل السور - الحي الذي يسكنه الفقراء ومن لا يملكون ثمن الانتقال لمكان أكثر أمانًا. نافذة واحدة، مغلقة دائمًا بلوح خشبي سميك عليه رموز حماية بالية رسمها والدهما قبل أن يموت.
"تأخرت."
كانت صوتها الأول ما يسمعه دائمًا حين يدخل. لينا - أكبر منه بخمس سنوات، وربّته منذ أن كان في الثانية عشرة، حين اختفى أبوهما فجأة في ليلة لا يتذكرها آرين جيدًا سوى صوت باب يُغلق ولا يُفتح مرة أخرى.
"كنت أساعد غريغ." قال وهو يرمي الكيس على الطاولة. "بيت العجوز فوزية. لم يجدوا شيئًا."
توقفت لينا عن تقطيع الخبز. نظرت إليه نظرة يعرفها جيدًا - نظرة الخوف الذي تحاول إخفاءه.
"قلت لك ألا تقترب من بيوت المفقودين."
"أنا لا أقترب. أنا فقط أحمل الأدوات."
"آرين."
"ماذا؟"
لم تُجب. عادت إلى تقطيع الخبز بحركات أعنف من اللازم.
كان هناك شيء لم تقله له منذ سنوات، شيء يشعر به كلما نظرت إليه بهذه الطريقة - كأنها تخاف عليه من شيء أكبر من مجرد الظلام خارج الأسوار. أكبر من الوحوش. كأنها تخاف عليه من نفسه.
في تلك الليلة، بعد أن ناما، سمع آرين الصوت الأول.
كان خافتًا في البداية، يتسلل من تحت الباب كصرير خشب قديم. ثم صار أوضح.
"آرين..."
جلس في فراشه فجأة. القلب يخفق بعنف.
الصوت كان صوت أبيه.
لم يكن آرين قد سمع صوت أبيه منذ خمس سنوات، لكنه تذكره فورًا - تلك النبرة العميقة الهادئة التي كانت تقرأ له حكايات قبل النوم قبل أن يختفي كل شيء.
"آرين، افتح الباب... أنا هنا... عدت أخيرًا..."
قام من فراشه بلا وعي منه، قدماه تتحركان نحو الباب وكأنهما لا تنتميان له. يده تلامس المزلاج البارد.
"آرين!"
كان صوت لينا هذه المرة، حادًا وحقيقيًا، تمسك بذراعه بقوة حقيقيًا وحقيقيًا، تمسك بذراعه بقوة تكاد تكسرها.
"لا تفتح الباب. لا تفتح الباب أبدًا."
"لكن... أبي..."
"أبونا مات." قالت وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط. "مات منذ خمس سنوات. هذا ليس أبي. هذا ليس أباك."
من خلف الباب، تغيّر الصوت فجأة. لم يعد صوت أب حنون يتوسل. أصبح باردًا، مسطحًا، وكأنه يقلد الكلمات دون أن يفهم معناها.
"افتح... الباب... أنا... هنا..."
ثم صمت.
صمت طويل جعل الدم يتجمد في عروق آرين.
بعدها، سمعا صوت أظافر - أو ربما مخالب - تُخدش ببطء على الخشب. خدشة واحدة طويلة، من أعلى الباب إلى أسفله، وكأن شيئًا يقيس طوله، يقيس المسافة، يتفحص المدخل بصبر مخلوق لديه سبعمائة عام من الوقت.
ثم اختفى الصوت تمامًا.
لم ينم آرين تلك الليلة. جلس على الأرض بجانب الباب، ولينا بجانبه، تحيط ذراعيها حوله كما كانت تفعل حين كان طفلاً يبكي من الكوابيس.
"هل يحدث هذا كل ليلة؟" سألها بصوت متهدج. "هل هذا ما تخافين منه؟"
لم تُجب مباشرة.
"في كل مدينة،" قالت أخيرًا، "هناك بيوت فقدت أحدًا بهذه الطريقة. يفتحون الباب لصوت يعرفونه. وفي الصباح، يجدون البيت فارغًا، والباب مفتوحًا من الداخل، وكأن صاحب البيت هو من فتحه بيده."
"الهامسون."
أومأت.
"كيف تعرفين أن هذا لم يكن أبي حقًا؟" سأل آرين بصوت أخفض. "ماذا لو... ماذا لو عاد فعلًا؟"
نظرت إليه لينا نظرة طويلة، فيها شيء أكثر من الحزن. شيء يشبه الذنب.
"لأن أباك لم يمت كإنسان عادي، آرين. أباك مات وهو يحمل سرًا. وأنا أعرف هذا السر. وفي يوم من الأيام سأضطر إلى إخبارك به."
"لماذا لا تخبرني الآن؟"
"لأنك لست جاهزًا بعد." همست. "ولأنني إذا أخبرتك، فلن تستطيع العودة أبدًا إلى كونك مجرد فتى عادي في مدينة صغيرة."
في الصباح، حين فتح آرين الباب ليخرج لعمله مع غريغ، وجد شيئًا لم يخبر لينا به.
على عتبة الباب، رُسمت خدوش عميقة في الخشب - أربعة خطوط طويلة متوازية، وكأن مخلبًا ضخمًا حاول أن يجرّب قوته على الباب طوال الليل دون أن يستطيع كسره.
وفي الطرف السفلي من الباب، حيث تنتهي الخدوش، كانت هناك كلمة واحدة محفورة بعناية غريبة، وكأن من كتبها أراد أن تُقرأ بوضوح تام:
"قريبًا."
حاول أن يمحو الكلمة بكفّه، لكنها كانت محفورة بعمق في الخشب، وكأن من كتبها لم يكن يستعجل، وكأنه كان يعرف أن لا أحد سيجرؤ على فتح الباب ليوقفه في تلك اللحظة.
نادى على لينا، لكنه غيّر رأيه قبل أن تخرج. غطى الكلمة بقطعة قماش قديمة، وأخبرها أن الباب "احتاج بعض الإصلاح فقط."
كذبة صغيرة. أول كذبة يقولها لها منذ سنوات.
لم يكن يعرف حينها أنها هي أيضًا كانت تخفي عنه كذبة أكبر بكثير - كذبة عمرها سبعة عشر عامًا.
لم يكن يعرف بعد أن تلك الليلة كانت آخر ليلة عادية في حياته.
لأنه بعد ثلاثة أيام فقط، ستختفي لينا دون أثر، تاركة خلفها بابًا مفتوحًا من الداخل، ورسالة واحدة على الطاولة لم يفهم آرين معناها إلا بعد فوات الأوان.
وسيبدأ رحلة لن يعرف نهايتها أبدًا - رحلة ستكشف له أن الوحوش التي طالما خاف منها خارج الأسوار، لم تكن أبدًا أغرب مما يحمله هو نفسه في دمه.
نهاية الفصل الأول.
قيّم هذا الفصل
⭐ —/10
لا توجد تقييمات بعد