الفصل 1
الفصل 1
629 كلمة · ≈3 دقيقة قراءة
الفصل الأول: الغريبة
لم تكن الحياة في وادي حلفا سهلة، لكنها كانت بالنسبة لحازم حياةً يعرف كيف يتعامل معها.
منذ أن رحل والده، تغيّر كل شيء.
لم يعد ذلك الشاب الذي يفكر في دراسته ومستقبله، فقد أصبح فجأة الرجل المسؤول عن بيتٍ كامل؛ أمٌّ تنتظر منه الأمان، وأختٌ كبرى تواصل دراستها في المرحلة الثانوية، وأخوان صغيران لا يعرفان من الحياة إلا أن حازم موجود دائمًا ليحضر ما يحتاجانه.
لذلك ترك دراسته، وبدأ يعمل في الميناء.
وأحيانًا، عندما لا يجد ما يكفي، كان يذهب إلى مناطق التنقيب عن الذهب، يبحث عن رزقه بين التراب والصخور، ثم يعود في نهاية اليوم متعبًا كأن جسده لم يعد يحتمل المزيد.
ومع ذلك... لم يكن يشتكي.
لم يكن حازم من أولئك الذين يحملون همومهم إلى الناس.
كان إذا سأله أحد:
— مالك يا حازم؟
يبتسم ويقول:
— ما في حاجة... الحمد لله.
ثم يمضي.
كان يعمل كثيرًا، وينام قليلًا، ولم يكن لديه وقت للحب أو الأصدقاء أو حتى لنفسه.
لكن هناك شيء واحد لم يستطع العمل أن يأخذه منه...
الرسم.
منذ أن كان في العاشرة من عمره، اكتشف حازم موهبته الغريبة.
كان يستطيع أن ينظر إلى شخص للحظات، ثم يرسم ملامحه وكأنه التقط له صورة بكاميرا.
كان يرسم وجوه العمال في الميناء، القوارب، الشوارع، وحتى تفاصيل الأماكن التي يمر بها.
وعندما ينتهي يوم العمل، ويذهب الجميع إلى بيوتهم ليستريحوا، كان حازم يجلس وحده، يستعيد تفاصيل اليوم في ذاكرته، ثم يمسك قلمه ويرسم.
وأحيانًا كان يعزف على جيتاره القديم قبل أن ينام.
لم يكن أحد يعرف أن ذلك الشاب الذي يقضي يومه بين العمل والتعب، يحمل في داخله عالمًا كاملًا من الألوان والموسيقى.
وفي ذلك اليوم...
كان كل شيء على وشك أن يتغير.
ففي الميناء، كانت فتاة غريبة تمشي بين الناس.
ملابسها متسخة، وجهها مغطى بالغبار، وعيناها تحملان خوفًا وإرهاقًا لا يخطئهما أحد.
كانت قد جاءت من الخرطوم بسبب الحرب، تبحث عن أسرتها التي تفرقت في طريق النزوح.
لم تكن تعرف أين تذهب.
ولم يكن معها مال.
ومنذ يومين لم يدخل الطعام معدتها.
اقتربت من أحد الأشخاص وقالت بصوت ضعيف:
— محتاجة مساعدة... أنا جيعانة.
نظر إليها الرجل ثم انصرف.
حاولت مع شخص آخر.
ثم ثالث.
لكن لا أحد توقف.
حتى لمحت شابًا قادمًا من بعيد...
كان حازم.
توقفت أمامه وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
— عايزة أفطر... لي يومين ما أكلت حاجة.
نظر حازم إلى وجهها.
وفي اللحظة نفسها، تذكر أخته الصغيرة.
شعر بشيء يضغط على صدره، ثم نزلت دمعة من عينه دون أن يشعر.
مد يده إلى جيبه...
فارغ.
لكنه لم يتردد.
كان حازم معروفًا في السوق بصدقه، ولذلك كان يستطيع أن يستدين من معظم الناس.
أخذها إلى أحد المطاعم، وقال لصاحب المحل:
— أدينا حاجة خفيفة.
ثم أضاف:
— وأعمل ليها شربة سخنة الأول... بعدين خليها تاكل.
لم يسألها من تكون.
لم يسألها من أين جاءت.
ولم يسألها حتى عن اسمها.
كان كل ما يهمه في تلك اللحظة شيء واحد:
أن تأكل.
وبعد أن انتهت، وقفت أمامه وقالت:
— شكرًا.
ابتسم حازم وقال:
— العفو.
ثم التفت إلى صاحب المطعم:
— المساء بقضيك.
وغادر إلى عمله.
أما هي...
فبقيت جالسة في المكان.
كانت تبحث عن أسرتها، لكنها لم تجد أحدًا.
ومع حلول العصر، لم تجد مكانًا آخر تذهب إليه.
فقررت أن تنتظر.
تنتظر ذلك الشاب الذي لم يسألها حتى عن اسمها... لكنه كان أول شخص يمد لها يده.
وعندما عاد حازم إلى المطعم، كان يبتسم كعادته، وكأنه لا يحمل فوق كتفيه هموم الدنيا كلها.
ثم لمحها.
كانت لا تزال تجلس في نفس الطاولة.
توقف للحظة، ثم اقترب منها وقال:
— السلام عليكم.
رفعت رأسها، وابتسمت.
ابتسم حازم بدوره، ثم قال لصاحب المطعم:
— جيب لينا الغداء.
جلس أمامها، ونظر إليها لأول مرة باهتمام حقيقي.
ثم سألها:
— اسمك منو؟
قالت بهدوء:
— حلا.
ابتسم حازم وقال:
— حلا؟
ثم ضحك قليلًا:
— معناها دلعك حلوتي.
لأول مرة منذ وصلت إلى وادي حلفا...
ضحكت حلا.
وكانت ابتسامتها طويلة، كأنها نسيت للحظات كل ما حدث لها.
ولم يكن أيٌّ منهما يعرف أن تلك الكلمة الصغيرة...
قيّم هذا الفصل
⭐ —/10
لا توجد تقييمات بعد