الفصل 1
الفصل 1
1453 كلمة · ≈7 دقيقة قراءة
بين الرصاص والحب
الفصل الأول: اللقاء الأول
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً.
المدينة رغم تأخر الوقت لم تكن قد هدأت بعد؛ أضواء المحلات ما زالت مضيئة، والسيارات تتحرك في الشوارع، والمطر الخفيف يلمع فوق الأسفلت وكأنه غطاء زجاجي يعكس أضواء المصابيح.
داخل سيارة بيضاء تسير بهدوء، كانت ليان تمسك عجلة القيادة بيد، بينما وضعت هاتفها على المقعد المجاور.
كانت متعبة.
يوم طويل في العمل، اجتماعات كثيرة، ومشروع جديد أخذ من وقتها أكثر مما توقعت.
تنهدت وهي تنظر إلى الساعة.
— أخيرًا... فاضل عشر دقايق وأوصل.
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
نور.
ابتسمت وردت:
— أيوه يا نور؟
جاءها صوت نور من الطرف الآخر:
— إنتِ فين؟!
— في الطريق، ليه؟
— عشان بكرة متتأخريش عليا.
ضحكت ليان.
— هو أنا اللي بتأخر؟ ده إنتِ اللي بتختفي بالساعات!
— المهم متنسيش إن عندي كلام مهم ليكي.
— كلام مهم إيه؟
— لما أشوفك هقولك.
— طب قولي دلوقتي.
— لأ.
— نور!
ضحكت نور.
— تصبحِي على خير يا ليان.
— استني بس...
انتهت المكالمة.
هزت ليان رأسها وهي تبتسم.
— مجنونة.
وضعت الهاتف بجوارها مرة أخرى، وأكملت طريقها.
لم تكن تعرف أن المكالمة القصيرة تلك ستكون آخر شيء عادي يحدث في ليلتها.
وفي الجهة الأخرى من المدينة...
كانت سيارة سوداء فاخرة تسير في شارع شبه خالٍ.
في المقعد الخلفي جلس آسر.
كان يرتدي قميصًا أسود وسترة داكنة، وملامحه هادئة بشكل غريب.
لم يكن يتحدث.
كان ينظر من النافذة إلى الشوارع المبتلة، وكأنه يفكر في شيء بعيد تمامًا عن المكان الذي يوجد فيه.
أما سيف، الذي كان يقود السيارة، فكان يراقبه من المرآة بين لحظة وأخرى.
قال:
— قربنا نوصل.
لم يرد آسر.
بعد ثوانٍ اهتز هاتفه.
أخرجه من جيبه.
رسالة مجهولة.
فتحها.
كانت تحتوي على موقع فقط.
ثم وصلت رسالة ثانية:
"اتحرك فورًا."
رفع آسر حاجبه.
كتب:
"إيه اللي حصل؟"
لم يتأخر الرد.
"هو عرف مكانك."
توقفت أصابع آسر.
كتب:
"مين؟"
جاء الرد:
"مالك."
تغيرت ملامحه فورًا.
رفع عينيه نحو سيف.
— وقف العربية.
سيف ضغط على الفرامل.
— ليه؟
فتح آسر الباب.
— استنى هنا.
— آسر، في إيه؟
لكنه نزل وأغلق الباب خلفه.
وقف تحت المطر وأخرج هاتفه مرة أخرى.
اتصل برقم محفوظ دون اسم.
— أيوه؟
قال آسر بصوت منخفض:
— ابعتلي آخر موقع لليان.
سكت الطرف الآخر لثوانٍ.
ثم قال:
— ليان؟!
— أيوه.
— إنت مالك بيها؟
— ابعت الموقع.
وصل الموقع.
نظر إليه آسر.
تغير وجهه.
كان الموقع قريبًا جدًا.
قريبًا أكثر مما ينبغي.
قال:
— متأخرين.
ثم أغلق الهاتف وعاد إلى السيارة.
سيف نظر إليه بقلق.
— مين ليان؟
آسر فتح الباب.
— هتعرف بعدين.
— وإحنا رايحين فين؟
— وراها.
نعود إلى ليان...
كانت قد دخلت طريقًا جانبيًا لتختصر الطريق.
لم يكن الشارع مزدحمًا.
وبعد دقائق قليلة، لاحظت سيارة سوداء تسير خلفها.
نظرت إلى المرآة.
ثم تجاهلت الأمر.
ربما مجرد سيارة تسير في نفس الاتجاه.
لكن بعد عدة دقائق...
ما زالت السيارة خلفها.
زادت ليان سرعتها قليلًا.
السيارة زادت سرعتها أيضًا.
بدأ قلبها يدق أسرع.
— أكيد صدفة.
لكنها لم تعد مقتنعة.
أمسكت هاتفها.
حاولت الاتصال بنور.
لم تستطع.
نظرت إلى الشاشة.
لا توجد شبكة.
— يا سلام...
رفعت عينيها عن الهاتف.
وفجأة...
انطفأت أنوار السيارة.
شهقت.
— إيه ده؟!
حاولت تشغيلها.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
اشتغل المحرك.
تنفست براحة.
لكن عندما نظرت إلى المرآة مرة أخرى...
كانت السيارة السوداء أقرب.
بكثير.
بدأت تقود بسرعة.
الطريق أمامها أصبح أكثر هدوءًا.
لا محلات.
لا ناس.
ولا سيارات تقريبًا.
ثم...
خرجت سيارة من شارع جانبي ووقفت أمامها مباشرة.
صرخت ليان وضغطت الفرامل.
السيارة انحرفت قليلًا قبل أن تتوقف.
وضعت يدها على صدرها.
— يا رب...
رفعت رأسها.
كان هناك رجل يقف أمام سيارتها.
طويل.
عريض الكتفين.
ويرتدي ملابس سوداء.
لم يتحرك.
ظل واقفًا أمامها تحت المطر.
اقترب من السيارة.
ليان أغلقت الأبواب بسرعة.
طرق على الزجاج.
لم تفتح.
أشار إليها أن تخفض الزجاج.
هزت رأسها.
— امشي من هنا!
لم يسمعها أو لم يهتم.
طرق مرة أخرى.
خفضت ليان الزجاج بضعة سنتيمترات.
— عايز إيه؟
قال الرجل بهدوء:
— انزلي.
ضحكت بتوتر.
— نعم؟
— انزلي من العربية.
— إنت مين؟
لم يجب.
قال مرة أخرى:
— ليان، انزلي.
تجمدت.
نظرت إليه.
— إنت عرفت اسمي إزاي؟
نظر خلفها.
ثم قال:
— مفيش وقت أشرح.
— أنا مش هنزل.
اقترب أكثر.
— لو فضلتي جوه العربية، هتكوني في خطر.
— وإنت أمان يعني؟!
لأول مرة ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
— لأ.
ثم قال:
— بس أنا الخطر الوحيد اللي ممكن يحميكي دلوقتي.
لم تفهم كلامه.
وقبل أن تسأله...
دوّى صوت رصاصة.
تحطم الزجاج الخلفي للسيارة.
صرخت ليان.
الرجل فتح الباب بسرعة.
— انزلي!
هذه المرة لم تفكر.
خرجت من السيارة.
أمسك يدها وسحبها خلف سيارة متوقفة على جانب الطريق.
انخفضا خلفها.
ليان كانت ترتجف.
— إيه اللي بيحصل؟!
— اهدي.
— اهدي إزاي؟! في ناس بتضرب نار!
— عارف.
نظرت إليه بغضب وخوف.
— إنت مين؟!
لم يجب.
كان ينظر إلى الشارع.
صوت خطوات.
ثم صوت محرك سيارة.
ثم رصاصة أخرى مرت فوقهما.
أمسك الرجل بيدها وأبعدها أكثر عن الشارع.
قال:
— اسمي آسر.
نظرت إليه.
— آسر؟
— أيوه.
— وأنا ليه حاسة إنك عارف عني حاجات أنا نفسي معرفهاش؟
نظر إليها.
وللحظة قصيرة جدًا، التقت عيناه بعينيها.
قال:
— لأنك دخلتي في حاجة أكبر منك.
— أنا؟
— أيوه.
— إيه هي؟
قبل أن يجيب...
ظهرت ثلاث سيارات سوداء في نهاية الشارع.
آسر نظر إليها.
ثم قال:
— دلوقتي لازم تثقي فيا.
ضحكت بعصبية.
— أثق في واحد قابلته من خمس دقايق؟!
— مش لازم تثقي فيا.
ثم نظر إلى السيارات.
— بس لازم تعيشي.
ساد الصمت.
كانت ليان تسمع أنفاسها.
آسر أخرج هاتفه واتصل بشخص.
— سيف، وصل؟
جاءه الرد:
— أيوه، أنا قريب.
— خلي العربية جاهزة.
— تمام.
أغلق الهاتف.
ثم نظر إلى ليان.
— لما أقولك اجري، تجري.
— ولو مشيت؟
— هشيلك وأجري بيكي.
نظرت إليه باستغراب.
— إنت مجنون.
قال بهدوء:
— ممكن.
ثم أضاف:
— بس مش الليلة.
بعد دقائق...
وصلت سيارة سيف بسرعة.
فتح الباب.
— اركبوا!
أسرع آسر نحو السيارة، ثم أمسك يد ليان.
— يلا!
ركبت ليان في الخلف.
دخل آسر بعدها.
وانطلقت السيارة.
خلفهم مباشرة ظهرت السيارات السوداء.
بدأت المطاردة.
سيف نظر إلى المرآة.
— تلات عربيات.
قال آسر:
— عارف.
— نعمل إيه؟
— كمل.
— كمل إزاي؟!
— هنعرفهم إنهم اختاروا الشخص الغلط.
ضغط سيف على البنزين.
السيارة انطلقت بسرعة.
ليان كانت ممسكة بالمقعد.
— ممكن حد يفهمني أنا في إيه؟!
لم يرد أحد.
— أنا بتكلم معاكم!
التفت سيف إليها للحظة.
— صدقيني، إحنا نفسنا عايزين نفهم.
نظر إليه آسر.
— سيف.
— حاضر.
عاد سيف للطريق.
ليان نظرت إلى آسر.
— إنت عارفني منين؟
صمت.
— آسر.
نظر إليها من المرآة.
— من قبل الليلة دي.
— فين؟
لم يرد.
— إنت كنت بتراقبني؟
قال بهدوء:
— لأ.
— أمال؟
— كنت بحاول أحميكي.
— من مين؟
سكت.
ثم قال:
— من شخص لو عرف إنتي مين بالنسبة ليا...
توقف للحظة.
ليان عقدت حاجبيها.
— بالنسبة ليك؟
نظر إليها.
ولأول مرة بدا عليه التردد.
— هتبقي نقطة ضعفي.
سكتت.
لم تعرف ماذا تقول.
أما سيف فابتسم ابتسامة خفيفة.
لكن آسر نظر إليه في المرآة.
فاختفت ابتسامته فورًا.
في مكان آخر...
داخل غرفة مظلمة، جلس رجل أمام شاشات متعددة.
على إحدى الشاشات ظهرت سيارة آسر.
وعلى شاشة أخرى ظهرت ليان.
وقف رجل بجواره.
— خرجت من المنطقة.
الرجل الجالس لم يتحرك.
— وآسر معاها؟
— أيوه.
ابتسم.
— ممتاز.
— نكمل؟
رفع الرجل عينيه.
— لأ.
— ليه؟
قال بهدوء:
— سيبه ياخدها.
— بس كده هنخسرها.
ابتسم الرجل.
— إحنا مش عايزينها.
صمت.
ثم أضاف:
— إحنا عايزين آسر.
داخل السيارة...
اهتز هاتف آسر.
نظر إليه.
صورة وصلت إليه.
صورة ليان.
لكن الصورة لم تكن قديمة.
كانت صورة لها وهي تجلس داخل سيارته الآن.
تحت الصورة جملة:
"خد بالك منها يا آسر..."
ثم وصلت رسالة أخرى:
"لأن المرة الجاية مش هسيبك تنقذها."
تغير وجه آسر.
سيف لاحظ ذلك.
— في إيه؟
لم يرد.
— آسر؟
رفع آسر عينيه نحو المرآة.
كانت ليان تنظر إليه.
— إيه اللي حصل؟
أغلق الهاتف.
ثم قال:
— غير الطريق.
سيف نظر إليه.
— ليه؟
— لأنهم عارفين إحنا رايحين فين.
سيف انحرف بالسيارة إلى شارع آخر.
لكن بعد ثوانٍ...
توقفت سيارة سوداء أمامهم.
ثم ظهرت أخرى خلفهم.
ثم ثالثة بجانبهم.
سيف ضغط على الفرامل.
— إحنا اتحاصرنا.
فتح آسر باب السيارة.
ليان أمسكت بذراعه.
— هتروح فين؟
نظر إليها.
— خليكي هنا.
— لأ!
— ليان...
— مش هخليك تنزل لوحدك!
نظر إليها للحظة.
ثم قال:
— أول مرة حد يقولها لي.
فتح الباب.
نزل.
أغلقه خلفه.
خرج رجال من السيارات الثلاث.
وقف آسر أمامهم وحده.
ثم خرج رجل من السيارة الموجودة أمامه.
كان يرتدي معطفًا أسود.
وقف تحت المطر.
ابتسم.
قال:
— وحشتني يا آسر.
تغير وجه آسر.
لأول مرة منذ بداية الليلة...
ظهر الغضب في عينيه.
همس:
— مالك.
ومن داخل السيارة...
سمعت ليان الاسم.
ونظرت إلى الرجل الغامض الذي أنقذها.
ثم إلى الرجل الذي جاء ليواجهه.
لكنها لم تكن تعرف أن ظهور مالك لم يكن بداية الخطر...
بل كان بداية الحكاية الحقيقية.
نهاية الفصل الأول
يتبع...

قيّم هذا الفصل
⭐ —/10
لا توجد تقييمات بعد