الفصل 1

الفصل 1

821 كلمة · ≈4 دقيقة قراءة

بشعر بني حالك وعينين كحليتين تعكسان بريقاً غامضاً، بدا الإمبراطور للناظرين وكأنهم يلامسون هيبة طاغية. كانت تلك الهالة القاتلة التي يحيط بها نفسه

تسبق حضوره، لا لأنها انعكاس لإرادة صلبة،

بل كدرع هش ووسيلة رخيصة للتهديد على طاولات المفاوضات. الحقيقة المرة التي لم تجرؤ عيون القصر على سبرها هي أن ذلك الإمبراطور المزعوم لم يكن سوى ظل باهت، هيكل جوفاء ترتجف جدرانه الداخلية من أقل نسمة خوف. لقد تربى بين نصوص الإدارة وأوراق الحكم، لكنه تذوق طعم العجز مبكراً، متخندعاً خلف عباءة اللامبالاة، تاركاً مقاليد الإمبراطورية

لتتجاذبه أهواء وزرائه الذين صنعوا منه دمية يحركون خيوطها كيفما شاءوا.

وفي تلك اللحظة الروتينية داخل قاعة العرش، حيث اعتاد الجلوس كتمثال بلا روح، انفتح الباب بعنف ليدخل مبعوث قائد القوات الحدودية، مقاطعاً سكون

المكان بصوت محتقن بالذعر:

— اتحاد الدول في الشمال تحشد جيوشها، يا مولاي! إنهم يزحفون لتدمير الإمبراطورية الشرقية!

رمقه الإمبراطور ببرود ظاهر، وبصوت يحمل تهكماً خافتاً أجاب دون اكتراث:

— وما شأننا نحن بذلك؟ فلتتعامل الإمبراطورية الشرقية مع أمرها بمفردها.

تقدم المبعوث خطوتين إلى الأمام، وقد علا صوته بيأس حقيقي:

— سيدي، أنت لا تفهم خطورة الموقف! الحرب تدور

على أعتاب حدودنا تماماً، وأياً كان الطرف الفائز في تلك المجزرة، فإن هدفه التالي المحتوم سيكون غرس سيوفه في صدر إمبراطوريتنا!

توقف الزمن لديه لبرهة. تردد صدى كلمات المبعوث في أروقة عقله المتعب. «ماذا يجب أن أفعل؟» سأل نفسه، ليتسرب الفزع الحقيقي لأول مرة إلى أعماقه. وفي

خضم ذلك التخبط، راودته فكرة غريبة، أسطورة قديمة طالما تناقلتها النصوص المظلمة؛ حين كانت الممالكالست متحدة في هذه القارة، أرسلت نخبة من أشرس.

فرسانها، ما عرف بالفرق الأسطورية، نحو القارة

المجاورة — قارة الوحوش — لجلب العنصر الأسطوري الخالد. يومها، لم يعد أحد منهم حياً قط، وتلك الخسارة

أشعلت نار الشك والاتهامات المتبادلة حتى احترقت القارة بأكملها في أتون حرب أزلية.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة ومريرة في آن واحد. وسط عجزه وظلال المؤامرات المحيطة به،

لمعت في رأسه فكرة جنونية كسرت رتابة حياته: لماذا لا أذهب بنفسي لأحصل على ذلك العنصر؟

رفع بصره نحو قاعة المجلس التي استهلكت روحه سنين طويلة، واتخذ قراره الحاسم الذي سيقلب موازين العالم:

— سنذهب. سأقود فريقاً من النخبة بنفسي لجلب العنصر الأقوى، ولنرى ما ستسفر عنه الأقدار.

قبل خمسمائة عام...

لم تكن هذه القارة تعرف معنى الخضوع لحاكمٍ واحد.

لم تكن هناك رايةٌ تجمعها، ولا عرشٌ يأمرها، ولا قانونٌ يفرض نفسه على الجميع.

كانت القارة مقسّمة بين الممالك والقبائل والفصائل...

كلُّ طرفٍ يصارع الآخر، وكلُّ إنسانٍ يقاتل من أجل بقائه.

حتى ظهر ذلك الرجل.

رجلٌ لم يكن مجرد محارب...

بل كان المحارب المطلق.

لم يكتفِ بإخضاع خصومه، ولم يتوقف عند حدود مملكةٍ أو إقليم.

بل شقَّ طريقه عبر القارة بأكملها، وأسقط من وقف في وجهه واحدًا تلو الآخر...

حتى أصبحت القارة، للمرة الأولى في تاريخها، تقف تحت رايةٍ واحدة.

لكن...

بعد أن وحّدها، اختفى.

يُقال إنه خرج إلى أطراف القارة ليحميها من الوحوش التي بدأت بالظهور آنذاك.

ومنذ ذلك اليوم...

لم يره أحد.

لا أحد يعرف أين ذهب.

ولا أحد يعرف إن كان لا يزال حيًّا أم أن الزمن ابتلعه.

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير...

القارة لم تنسَ إنجازاته.

بل إن آثار حكمه لا تزال تحكمها حتى يومنا هذا.

فقد قسّم القارة بذكاء إلى ست مناطق شاسعة، ولم يمنح قيادة أيٍّ منها لشخصٍ عادي.

بل اختار نخبةً من أقوى المقاتلين وأكثرهم رعبًا...

أشخاصًا امتلكوا قدراتٍ تتجاوز حدود فهم البشر.

منهم من امتلك القدرة المطلقة على امتصاص المانا...

ومنهم من امتلك قوى شفاءٍ تكاد تلامس المعجزات...

ومنهم من كانت قوته وحدها كافيةً لجعل آلاف الرجال يفرّون قبل أن تبدأ المعركة.

ومنذ ذلك الحين، وضع ذلك الحاكم العظيم قاعدةً حديدية...

قاعدةً لم يستطع أحد كسرها طوال خمسمائة عام.

القوة... هي التي تصنع النبلاء.

فكلما ازدادت قوتك...

ازداد نفوذك.

وكلما اتسع نفوذك...

ازدادت الأرض التي تخضع لك.

وهكذا أصبحت القوة هي العملة الحقيقية لهذه القارة.

ولهذا...

أنا لست قلقًا على الإمبراطور زاركوس.

فدماء أولئك الأساطير الأوائل تجري في عروقه.

ورجلٌ يحمل إرثهم...

لن يسقط بهذه السهولة.

لكن...

الخطر الحقيقي ليس على الإمبراطور.

الخطر...

يحدق بالقارة بأكملها.

فنحن نقف الآن على حافة الانقراض المطلق.

وإذا اندلعت شرارة حربٍ جديدة...

فلن يبقى حجرٌ فوق حجر.

انظروا إلى موازين القوى الحالية...

الإمبراطورية المركزية.

تحالف دول الشمال.

وممالك أمانور وسلميس وأمانار...

تلك الممالك التي تتوهم أنها واحاتٌ للسلام، وأنها بعيدةٌ عن أهوال الحروب.

ثم هناك...

الإمبراطورية الشرقية.

إمبراطوريةٌ يمتلك جيشها قوةً يُشاع أنها قادرة على سحق القارة بأكملها...

ومع ذلك، وعلى الرغم من اختلافهم...

وعلى الرغم من العداوة التي تفصل بينهم...

فإنهم جميعًا يشتركون في شيءٍ واحد.

المصير.

الجميع يسير نحو الهاوية نفسها.

الجميع يقترب من الخطر نفسه.

والقارة بأكملها...

تنتظر الشرارة التي ستشعل كل شيء.

لذلك...

لم يعد مصير هذه القارة البائسة يعتمد على جيوشهم.

ولا على ملوكهم.

ولا على أباطرتهم.

بل...

يعتمد علينا نحن.

كل ما علينا فعله...

هو أن نضع أيدينا على ذلك العنصر النادر.

ذلك الشيء الذي يبحث عنه الجميع...

ولا يعرف حقيقته إلا القليل.

وبمجرد أن يصبح بين أيدينا...

ستنقلب موازين القوى إلى الأبد.

وعندها...

لن نحتاج إلى جيشٍ عظيم.

لن نحتاج إلى تحالفات.

ولن نحتاج حتى إلى إقناع أحدٍ بالخضوع.

لأن القارة بأكملها...

ستعرف لمن يجب أن تنحني.

وحينها...

سنضع هذه القارة بأسرها...

تحت أقدامنا!

...

ههه...

هههاهاهاها...

هيهياهيهيااااااا!

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد