الفصل 1

الفصل 1

360 كلمة · ≈2 دقيقة قراءة

***الوجوه التي لا ترى***

لم تكن المدينة كبيرة بما يكفي لتخفي الفقر، ولا صغيرة بما يكفي لتنسى أصحابه.

كل صباح، كانت شمسها تتسلل بين المباني القديمة، فتوقظ الباعة قبل الزبائن، والعاملين قبل الأحلام، بينما كان كريم يفتح عينيه على سقف متشقق، اعتاد أن يعدّ شقوقه كل ليلة قبل أن ينام.

كانت الغرفة ضيقة، لا تحتوي إلا على سرير حديدي قديم، وطاولة خشبية مائلة، ونافذة صغيرة يدخل منها هواء بارد أكثر مما يدخل منها الضوء.

نهض بصمت، غسل وجهه بماء بارد، ثم ارتدى قميصًا أبيض فقد لونه منذ سنوات، ورتب ياقة قميصه بعناية، كأن الأناقة لا تحتاج إلى المال، بل إلى احترام الإنسان لنفسه.

خرج من المنزل، وأغلق الباب الخشبي برفق حتى لا يوقظ والدته، التي لم تنم إلا قبل ساعات بعد يوم طويل من العمل في تنظيف البيوت.

كان الشارع مزدحمًا كعادته. سيارات فاخرة تمر بسرعة، وأشخاص يسرعون نحو أعمالهم، بينما كان كريم يمشي بخطوات هادئة، يحمل حقيبة قديمة على كتفه، ويبتسم لكل من يلتقيه، حتى لأولئك الذين لم يردوا ابتسامته يومًا.

عند المخبز، وقف في الطابور منتظرًا دوره.

تقدم رجل أنيق ببدلة باهظة الثمن، نظر إلى كريم من أعلى إلى أسفل، ثم قال لصاحب المخبز:

"أنهِ طلبي أولًا... لا تجعلني أنتظر خلفه."

ساد صمت قصير.

خفض كريم عينيه قليلًا، ثم ابتعد خطوة إلى الخلف دون أن يعترض.

ناول الخباز الرجل طلبه بسرعة، بينما بقي كريم واقفًا في مكانه، كأن الانتظار أصبح جزءًا من حياته.

حين انتهى الرجل، ألقى نظرة سريعة على كريم، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة وغادر.

لم يكن ذلك الموقف جديدًا.

لقد اعتاد كريم أن يقرأ الأحكام في عيون الناس قبل أن يسمع كلماتهم.

بعضهم كان يرى في ثيابه سببًا كافيًا للاستخفاف به، وآخرون كانوا يظنون أن الفقر عيب يُخفي كل فضيلة.

لكن كريم لم يكن يملك رفاهية الغضب.

كان يملك حلمًا فقط...

حلمًا لم يخبر به أحد.

حلمًا كان أكبر من هذه المدينة، وأكبر من نظراتها، وأكبر حتى من الرجل الذي مرّ قبل قليل وهو يظن أن قيمة الإنسان تُقاس بثمن بدلته.

خرج كريم من المخبز يحمل كيس الخبز بيده، وسار في الطريق الطويل المؤدي إلى عمله، دون أن يعلم أن الأيام القادمة ستغيّر حياته إلى الأبد... وأن المدينة التي لم تر فيه سوى شاب فقير، ستقف يومًا في انتظار عودته، وهي تبحث عن الوجه الذي نسوه.

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد