الفصل 1
الفصل 1
3,221 كلمة · ≈16 دقيقة قراءة
«لقد هرب» انطلقت همسة قطعت أجواء الأثير كالسيف البارد.
«بعد كل ما فعلته لإبقائه محاصراً… وما زلت تخذلني» قال المشرف بصوت مليء بالتهديد.... تجمد الهواء لحظة، بينما انتشرت أنفاس مخنوقة في جميع الأركان.
«لا يمكنه امتلاك وعاءه الخاص، سيدي»
«تظن أن هذا سيوقفه؟ أنت تعرف العواقب جيدًا»
«ماذا نفعل الآن؟» سأل صوت ثالث، مترددًا.
«الأمر واضح»
«على الفور، سيدي» رد الصوت الثالث بحزم.
الصوت تلاشى كما لو سُحب من رأسها قسرًا...
فجأة، فتحت إيف عينيها، والكلمات تهمس في رأسها، تتردد كصدًى بعيد، بينما نبض قلبها بعنف، عاجزاً عن تهدئتها. لم يكن حلماً عادياً؛ كان شعوراً بالفرار، بالخطر، بشيء أكبر من العالم من حولها.
نهضت بسرعة،
مدّت يدها إلى دفترها على الطاولة، قلبها لا يزال يعلو من أثر الحلم. أمسكت بالقلم وبدأت تكتب في سرها:
«لقد هرب… لم أستطع رؤيته بوضوح، لكن كل شيء بدا حقيقيًا… أشخاص، أصوات، ضوء وظلال…»
كل كلمة أضحت محاولة لفهم ما يحدث، لتوثيق الحلم قبل أن يختفي من ذهنها. تتبع أحلامها أصبح هوسها الأكبر خلال الشهر الماضي، الذي كان واحداً من خطوات تعلم أن تكون واعيةً في أحلامها.
«إيف...سنتأخر هيا» انطلق صوت والدها.
راحت تبدل ملابسها وأخذت دفترها وحقيبتها بين يديها، عند الباب كانت تمشي كل خطوة نحو السيارة وهي تشعر بها كأنها تقترب من حافة شيء غير مرئي، شيء يلاحقها منذ الحلم. حتى الهواء حولها تشبّع بالغموض، وكأن الواقع نفسه يتمايل بين الحقيقة والخيال.
بينما كان والدها يمازح والدتها ، قبل الذهاب في رحلة صيد السمك، لم تستطع إيف التخلص من الإحساس: شيء ما على وشك الحدوث. ترددت الكلمات من حلمها في رأسها: “لقد هرب…”، وكأنها تحذير.
على بعد أميال قليلة، نظر إيثان إلى هاتفه المحمول. الساعة 10:55، فقفز من سريره، وأضلاعه تختلج في صدره.
«متأخراً مرة أخرى! ما الذي يحدث؟»
كان من الصعب العثور على ملابسه بين أكوام الملابس جانب سريره، ، ودون أن يختار أياً منها ارتدى ما وصلت إليه يده بسرعة كبيرة، حتى إنه لم يلاحظ أنه وضع قميصه الداخلي بالمقلوب.
نظر حوله الى الفوضى الذي تركها البارحة، لم يكن لديه وقت حتى لوضع ملابسه في الخزانة، كان يقضي ساعات طويلة في العمل، ليرجع أخيراً بشكل يومي عند منتصف الليل.
العطلة أمست محض أسطورة في قاموسه، لم يكن إيثان يملك الكثير. كان يعيش حياةً متواضعة، تكفيه بالكاد، ويحسب نفقاته قبل أن ينفقها. لم يكن الفقر غريباً عنه، لكنه مقته بكل جزء من روحه... كره فكرة أن يقضي حياته يعمل من أجل الفتات، كان لديه أحلام وفضول ولكن لم يملك الوقت أو المال حتى يلاحق ما يريد.
انطلق بدراجته الكهربائية مسرعاً، آخر ما تبقّى له من والديه الراحلين، وأعزّ ما يملك.
وبعد شارعين من شقته المستأجرة وصل إلى محل الوجبات السريعة،
فتسللت روائح البطاطس المقلية واللحم المشوي إلى أنفه، وكأنه لم يعتد بعد على رائحة الزيت القديم.
«لقد تأخرت مجدداً يا إيثان...» قال جون بقلق.
«أعرف... آسف، إنها المرة الأخيرة.»
أشار جون إلى الداخل: «إنها المرة الأخيرة لك بالفعل، المدير يريد التحدث إليك.»
كانت هناك حشرة عالقة تنازع لتخرج من بقعة كاتشاب على الرصيف الرطب، فأخذ إيثان يتأملها بشفقة.
«حسناً، أظنني أعرف ما الذي يريد قوله»، قال بهدوء ليخفي توتره.
«لا أستطيع أن أغطي عليك للأبد يا إيثان».
«أعلم هذا، شكراً لك».
ظلّ واقفًا أمام المحل، يشاهد الناس يدخلون ويخرجون وكأن شيئاً لم يحدث. الجميع يستمرون بالعيش بينما يشعر هو أن شيئاً داخله ينهار.
أحنى إيثان رأسه وركب دراجته، ويداه ترتعشان، غضبه الهائل دفعه للتساؤل عن سبب حدوث ذلك رغم معرفته بأن هذا سيحدث.
«توصيل الوجبات السريعة ليس بالضبط مهنة أحلامي» فكر، في محاولة ليهدئ نفسه حتى يتوازن على دراجته.
أمام باب شقته المستأجرة انجرف الغضب في عروقه، أراد تحطيم الباب متخيلاً كل الطرق الممكنة للكم وإيلام المدير...وفي محاولته لفتح الباب بخشونة أسقط المفتاح، حينها سمع صوت عميقاً يضحك التفت بسرعة لينظر خلفه ولكن لم يكن هناك أحد... هز رأسه ودخل شقته:
«أظن أنني سوف أودع هذه الحياة المترفة».
مشى يقترب ناحية أريكته مزيحاً علبة بيتزا قديمة، تبقت فيها شريحتان كانتا على وشك التعفن.
توقفت عيناه لبرهة عند صورة قديمة موضوعة على الرف، التقطها منذ سنوات مع والديه. مد يده نحوها، لكنه تراجع قبل أن يلمسها. لم يكن لديه وقت لاستعادة ذكريات لا يستطيع تغييرها.
انكبّ على أريكته المغبرة، غارقاً في أفكاره، وحوله تناثرت أوراق من مجلات متنوعة على الأرضية.
انتزع إحداها:
تُعد هذه التجربة واحدة من أكثر التجارب إرباكاً في الفيزياء الحديثة.
يُوجَّه شعاع من الضوء أو جسيمات دقيقة نحو حاجز يحتوي على شقّين متوازيين، وخلفه شاشة لرصد النتائج...
تحولت عينا إيثان بتململ إلى مروحة السقف القديمة...
... عند غياب أي وسيلة للرصد، لا تظهر الجسيمات على الشاشة كنقاط منفصلة، بل كنمط تداخل مميّز، يشبه ما تخلّفه الموجات في الماء. يشير هذا إلى أن الجسيم الواحد لا يمر عبر شق واحد فقط، بل يتصرف وكأنه يعبر الاثنين في الوقت نفسه.
غير أن هذا السلوك يتغير فور محاولة تحديد مسار الجسيم. فبمجرد إدخال...
لم يكمل القراءة، طوى الورقة بعنف، وقذف بها إلى الأرضية مجدداً.
______________________________________________________________________________________________________________
انطلقت سيارة الفولكس فاغن الزمردية تعبر الطريق، وصوت الموسيقى يتردد بخفوت... كانت إيف تجلس بجانب النافذة، تحدق بغير تركيز، وشعرها الناعم يتمايل مع الهواء الدافئ.
همهم جيمس باستمتاع مع الموسيقى بجانب ليلي، التي تضع القليل من واقي الشمس على وجهها.
جيمس: «أنا جائع يا فتيات.»
ليلي: «أنت دائماً جائع يا جيمس...»
زفر جيمس.
إيف: «متى سوف نصل؟»
ليلي: «بقي القليل فقط...» أغلقت علبة واقي الشمس، ووضعته في درج السيارة.
أخرجت إيف هاتفها المحمول...
ثلاث مكالمات لم يتم الرد عليها.
ضغطت شاشة هاتفها بقوة أكثر من المعتاد.
نظرت ليلي بطرف عينها عبر المرآة لترى إيف تكشر وجهها قليلاً لوهلة.
ليلي: «ما أخبار فينس؟»
إيف: «لم نعد نتكلم يا أمي، قلت لك.»
وبينما استمع جيمس بصمت لحديثهما، أخذ يطرق أصابعه بخفة على مقود السيارة، وما زال يهمهم...
ليلي: «إذاً لماذا يحاول الاتصال بك؟»
توسعت عينا إيف للحظة، وأدركت أن أمها كانت تنظر لها عبر المرآة.
إيف: «لا أريد التحدث في الأمر».
مرّت بقية الرحلة وهم يستمعون لجيمس يتكلم عن الفيديوهات التي شاهدها على الانترنت عن صيد السمك.
أخيرا توقفت السيارة بجانب مرسى للقوارب. حينها استنشقت إيف الهواء المختلط برائحة الملح.
إلّا أن عينيها ضاقت عندما نظرت إلى البحر الشاسع، وقشعريرة باردة بدأت تسري في عروقها رغم دفئ الجو...
صوت الأمواج المتلاطمة طغى على صوت نقاش والديها حول أي من القوارب سيأخذون.
حاولت مجاراتهما بخطوات سريعة ولكنها تعثرت عند الدرجة الأخيرة من المرسى،
ولحسن الحظ منعها والدها من السقوط وهو يبتسم.
جيمس :«لم لا آخذ حقيبتك؟ اذهبا وانتظراني داخل القارب»
تبعت إيف والدتها إلى آخر قارب في المرسى، وهي تحك رأسها... لم تفهم هذا الإحساس الغريب الذي راودها فجأة.
على الممر الخشبي راقبت القارب يتأرجح بسلاسة على سطح الماء، عندما كانت تقترب لتصعد عليه، فاهتزت يدها وهي تتشبث بالحافة الرطبة.
ليلي: «هل أنتِ بخير؟»
كذبت إيف: «أنا متعبة قليلاً»
ليلي: «اجلسي في حجرة القيادة»
قررت إيف العمل بنصيحة والدتها، فدخلت الحجرة. كانت صغيرة وقديمة بمقاعد جلدية خمريّة، بهت لونها تحت وطأة السنين، وتشقق جلدها من أثر الزمن. بدأت تخدش سطح مقعدها في محاولة لإشغال نفسها.
دفّة القيادة أثارت فضولها، فاقتربت ووضعت أصابعها عليها، وهي تستمع لوالديها يتحدثان في مؤخرة القارب... كان ملمسها مألوفاً بشكل غريب لم تستطع تفسيره.
«هل أنا أحلم؟» ترددت في ذهنها.
كان ترديد عبارة «هل أنا أحلم» في عقلها خلال اليوم أحد خطوات تدريبها في التحكم بالأحلام... أخيراً هدأت وهزت رأسها: «يجب أن أبدل ملابسي»
انتهت من تبديل ملابسها سريعاً، وخرجت من حجرة القيادة.
حيث كان جيمس وليلي يتجادلان في مؤخرة القارب، يبحثان عن شيء ما في كومة الحقائب المرمية على الأرضية.
قال جيمس بسخرية: «هل أنتِ متأكدة أنك جلبته؟»
ليلي بعناد: «أنا متأكدة.»
ابتسمت إيف وجلست على حافة القارب تراقب والديها يتبادلان بعضاً من الكلمات النابية ذات الطابع اللطيف، التقطت منها:
«حبيبتي السفيهة، زوجي المخبول...»
أحضر جيمس صنارته متحمساً لتجريبها، فقد كان يتكلم عنها لأسابيع.
استهزأت ليلي به: «إذاً عشاؤنا الليلة رهينة لخبرتك المعدومة في الصيد»
ابتسم جيمس: «سوف نرى، لم لا تفعلين شيئاً مفيداً؟»
وبتكلف واضح لوت ليلي شفاهها وذهبت لتصنف الحقائب في حجرة القيادة.
راقبت إيف محاولات والدها العقيمة في استخدام الصنارة بالشكل الصحيح. نسمة خفيفة لفحت وجهها الناعم. كانت بعيدة عن ضجيج المدينة في عرض البحر، تتأمل الأمواج تتراقص وهي تبتلع الشمس.
ضمت ركبتيها وأغمضت عينيها.
سمعت والدها يزعق: «لقد أمسكت واحدة!»
رفعت رأسها لتدرك أن الليل قد حلّ، استغرقت في أفكارها مثل ما تفعل دائماً.
اقتربت إيف من والديها، ورائحة الشواء تملأ الأجواء.
تناولوا عشاءهم بنهم وصوت موسيقى الجاز الصادر عن المذياع يتسلل الى مسامعهم، عندها ضم جيمس ليلي إلى جانبه وقبّل خدها.
شعرت إيف أن هذا هو الوقت المناسب لتترك والديها وحدهما قليلاً... حافة القارب كانت أبعد ما يمكن أن تصل إليه، لإعطائهما بعض الخصوصية فاقتربت منها، وتذكرت أنها كانت ترتدي لباس السباحة الخاص بها. وفي طرفة عين ارتعدت مرة أخرى بلا أي سبب منطقي، وهي تنظر إلى المياه السوداء التي بدت أعمق الآن... لم تفهم سبب قلقها، راودها شعور مفاجئ بالرغبة في القفز إلى الماء، هزت رأسها: «هذا حمق... ما الذي يحدث لي؟»
نظرت إلى الماء مرة أخرى. لم يكن هناك شيء مختلف فيه؛ مجرد أمواج سوداء تتحرك تحت ضوء القمر. ومع ذلك، شعرت إيف وكأن شيئاً في الأعماق يناديها، لا بصوت مسموع، بل بإحساس قديم لا تعرف مصدره.
دوار خفيف أصابها مما أدى الى اختلال توازنها فأخذت تتراجع خطوة للوراء، ولكنها لم تكن كافية. وبدون وعي مالت نحو الأمواج المظلمة.
في لحظة ابتلعها الماء... سافرت الصدمة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها وتسللت البرودة إلى صدرها ثم داهم التنميل كامل جسدها... حينها اختفى الدوار لثانية فأدركت أنها لم تعد مستندة على جانب القارب، بل تحته.
في محاولة يائسة حركت إيف يديها بدون فائدة. فتحت فمها تصرخ...
لا أحد يسمعها.
لا أحد يراها.
لقطات خاطفة في ذهنها.
والدتها تبتسم... والدها يداعب شعرها.
سمعت صوت المشرف يقول: «لقد هرب.»
اختل الماء قليلاً، لمحت به وميضاً غريباً أحمر.
استسلمت للبرودة والوحدة أخيراً، فأغمضت عينيها وهي تُسحب إلى القاع الذي لا ينتهي.
______________________________________________________________________________________________________________
دارت مروحة السقف القديمة بتعب فوق إيثان، كان صوت شخيره المكبوت يملأ غرفته الوحيدة في الشقة.
استلقى على حافة الأريكة التي من الصعب معرفة إن كانت للجلوس أو النوم، وما زال يرتدي قميصه بالمقلوب… دق جرس الشقة.
طراخخخ!
«آه!»
وبألم هز إيثان رأسه، ثم استند على يديه للنهوض بصعوبة والغبار يرفض أن يُنفض عن قميصه.
كانت عيناه نصف مغلقتين ورأسه ينبض بقوة. بينما اتجه إلى الباب بتثاقل،
وفي طريقه أزاح طاولته الصغيرة من أمامه؛ فاهتز الحاسب المحمول حتى وصل إلى حافة الطاولة، مهدداً بالسقوط.
نظر إيثان إلى الرجل العجوز الأصلع الواقف أمام الباب.
قال إيثان: «سيد جوناس…»
لم يتكلم الرجل ودخل عبر الباب، فزمّ إيثان شفتيه بامتعاض.
جال جوناس بنظره في أرجاء الغرفة بانزعاج كانت الفوضى تعمّ المكان، وركزت عيناه للحظة على ورقة بارزة فوق كومة دفاتر قديمة:
«هل الواقع محاكاة» بقلم…
جوناس بعصبية: «حسنًا يا إيثان، لقد نفد صبري».
قال إيثان بخمول: «سيد جوناس…»
بثبات نظر جوناس إلى إيثان: «أعذارك لن تملأ جيبي».
تفادى نظرات الرجل العجوز وهو يحك أنفه.
ثم تنهّد. لقد مرّ بمواقف مشابهة من قبل، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا. بعد أن خسر عمله، بدا المستقبل أكثر قتامة من أي وقت مضى.
ترددت الكلمات في حلقه قبل أن يخرجها بصعوبة، لكنه لم يجد أمامه خيارًا آخر:
«لم لا تأخذ دراجتي الكهربائية وتعطيني ثلاثة أيام لأجمع أغراضي؟»
لوهلة صمت جوناس ، كأنه يقلب الأمر في عقله.
«حسنًا جدًا، ولكن ليس أكثر من ذلك».
مشى الرجل العجوز باتجاه الباب، ثم توقف لحظة في طريقه، وأشار إلى تلال الأوراق محتجًا: «هذه التفاهات تستنزفك».
تغلغلت هذه الكلمات عميقًا في ذهن إيثان، حتى إنه لم ينتبه إلى لمعان رأس جوناس وهو يغادر، تاركًا وراءه صمتاً مطبقاً.
ظلّ إيثان واقفًا جانب الباب؛ مرت لحظة أو ساعة، لم يتمكن من معرفة كم مرّ من الوقت منذ أتى جوناس.
فكر بخيبة أمل: «ليست نهاية العالم… إنها دراجة كهربائية فقط».
احتقر إيثان نفسه لأنه فرّط في شيء لم يكن مجرد دراجة كهربائية؛ لقد كانت آخر أثرٍ تركه والداه له، وذكرى لا يمكن تعويضها.
ما الذي يجب أن أفعله الآن…
على أريكته ارتمى وجرّ الطاولة حتى وصلت إلى مستوى نظره. إذ كان الوهج المنبعث من الحاسب المحمول المصدر الوحيد للضوء في غرفته المعتمة، ففرك إيثان عينيه لتتأقلما على سطوع الشاشة. انطلق صوت من الحاسب:
«أهلًا بكم في قناتي، حلقة جديدة من نظريات المؤامرة، سنتحدث اليوم عن الأهرامات المصرية وعلاقتها بـ…»
لطالما كانت هذه طريقته في الهروب من الواقع؛ فحين تصبح الأمور أثقل من احتماله، كان يغوص في عالم نظريات المؤامرة والعلوم الغريبة، باحثاّ عن شيء يبعده ولو قليلاً عمّا يعيشه.
«هذا مثير للاهتمام، بالنسبة لشخص لا يرى الصورة كاملة». انطلق صوت عميق يتهكم.
ارتعد إيثان ووقف فجأة: «من هناك؟!»
تعثر وهو يحاول تشغيل المصباح.
فكر: «هناك من اقتحم الشقة… ما الذي هناك ليسرقه؟»
خفق قلب إيثان بقوة تكاد تخترق صدره ومسح بعينيه محيط الغرفة
«من هناك؟» كرر بصوت مخنوق.
لم يكن هناك أحد… ارتجفت يده وهو يمسك بسكين من المطبخ الصغير خلف أريكته، واتجه إلى الحمام بخطوات محسوبة.
اندفع إيثان داخل الحمام؛ فكان الحمام على حاله.
أسقط السكين على الأرضية ووقف أمام حوض المغسلة ينظر إلى انعكاسه: «ما الذي يحدث لي؟»
فكر بارتياب.
_______________________________________________________________________________________________________________
«إييف!!»
جاءها صوت والدها مشوشاً.
«إييف!!»
شعرت إيف بضغط قوي على صدرها، كمكبس يصعد وينزل على رئتيها.
وبينما اندفع الماء المالح من فمها محرقاً حلقها، فتحت عينيها.
اختنق صوت ليلي: «هل أنتِ بخير يا حبيبتي؟»
سعلت الماء المتبقي في رئتيها وأخذها جيمس من الأرض بين يديه بعصبية:
«ما الذي حدث يا عزيزتي؟ ليلي، أحضري المنشفة حالًا».
كانت إيف ترتجف رغم دفء الجو.
صوت خطوات والدتها غير المنتظمة يتردد في مسامعها، عندما كان والدها يقودها نحو حجرة القيادة.
حضرت ليلي على عجل، ولفّت حول ابنتها المنشفة الدافئة وهي تدلك جسدها.
استقر نظر إيف على وجه والدتها الرطب، وتعلّق بقطرة تكاد تسقط من عينيها المحمرتين… وميض أحمر لمع في ذهنها فاختنقت أنفاسها لوهلة.
شدّ والدها يديه حولها: «لا بأس يا عزيزتي… أنتِ بخير».
لم تستطع إيف الحصول على نوم هانئ ليلتها؛ في كل مرة تغمض عينيها تشعر بالماء البارد يبتلعها.
حلّ الصباح، واقترح والداها العودة إلى المرسى لإنهاء الرحلة… وافقتهما إيف وتجنبت النظر في عينيهما.
مرّت رحلة العودة بالسيارة بصمت.
حين وصلوا انتبهت إلى وجه والدها وهو يبتسم بشحوب: «دعيني أحمل الحقيبة إلى غرفتك».
وأخيراً بعد أن أغلقت باب غرفتها انطلقت لتفتح دفتر الملاحظات الخاص بأحلامها، وبدأت تكتب كل التفاصيل التي تستطيع تذكرها، لم تفهم سبب رغبتها في الكتابة… لم يكن حلماً.
_______________________________________________________________________________________________________________
حافي القدمين على رمل الشاطئ الدافئ مشى إيثان بلا مبالاة، وترددت حوله أصوات ضاحكة، غير مفهومة.
كلوحة لا تنتهي من الرمال الذهبية امتدّ الشاطئ أمامه، حيث كانت الأمواج تتهادى برفق، تاركة خلفها خيوطًا من الزبد الأبيض، والنسيم يحمل رائحة البحر المالحة، بينما انعكس ضوء الشمس على سطح الماء كآلاف الشظايا المتلألئة.
لقد مر وقت طويل على ذلك، فكّر إيثان وهو يبتسم لنفسه يستعد للسباحة.
وفجأة… صرخت السماء بصوت أقوى من الرعد، كأن الهواء نفسه يتمزق.
تكاثفت الغيوم، وحجبت أشعة الشمس.
تصلّب جسد إيثان؛ كان هناك أمرٌ خاطئ.
تكرر الصراخ، ولم يكن الصوت بشرياً.
بدأت الجموع من حوله بالركض والهروب، تصرخ بأصوات ملأت أذنيه رعباً.
إلى السماء رفع نظره، مرتبكاً.
كان هناك شيءٌ يطير…
شيءٌ قرمزي، بحجم ناطحة سحاب.
تنّين! فكر وقد اجتاحه الجزع.
زأر التنّين وهو يقترب من سطح المياه، نافثًا النار من فمه.
تجمّد إيثان في مكانه، وأدرك —لسبب لا يفهمه— أن التنّين قادم من أجله وحده.
وفي اللحظة ذاتها، التفت الجميع نحوه، كأنهم عرفوا جميعاً الحقيقة نفسها.
ركض بأنفاسٍ متقطعة، يبحث عن أي شيء يحتمي خلفه.
أغلق عينيه، وأخذ جسده يرتعش فاقداً السيطرة على نفسه.
وعندما فتحهما من جديد، وجد نفسه في منزل والديه، حيث قضى طفولته.
كل شيء بدا مألوفاً، لكن زئير التنّين ما زال يُسمع، يحوم فوقه، وهو يعلم أن التنّين لا يعرف مكانه بعد.
ولسبب ما، أيقن إيثان أنه يعرف ما يعرفه الوحش الطائر.
ودون سابق إنذار، اقتحم المنزل أشخاصٌ ملثمون.
فهم على الفور أنهم يخدمون التنّين فحاولوا إخراجه بالقوة، وبعد مقاومة عنيفة انسحبوا من المنزل.
في تلك اللحظة، انكمشت أطرافه.
أدرك أن الوحش اكتشف مكانه.
لم يستطع تفسير ذلك، ولا كيف أصبح يعرف ما يعرفه الوحش الذي يلاحقه وكأنه يشعر به.
حطّ التنّين بسرعة مزلزلاً الأرض بجانب النافذة المطلّة على الشارع، ونظرت عينه الهائلة، الممتدة على حواف الإطار، إلى إيثان.
كانت عينًا طويلة، زاحفة، كعين أفعى.
حدّق إيثان فيها، دون أن يهرب، رغم أنه كان يعلم أنه قادم من أجله وحده.
مرّت لحظة صامتة بينهما، بلا صراخ، بلا نار تأمل فيها عين الوحش الهائلة بفضول، ثم سمع زئيراً قوياً؛ حلّق التنّين مبتعداً، تاركاً إيثان والمنزل سالمين.
فتح إيثان عينيه ببطء.
كانت مروحة السقف تدور كما تركها مع المصابيح القديمة المتدلية من الجدران، تلقي ضوءاً باهتاً على أثاث الشقة البسيط.
شعر بصفاء لم يعرفه من قبل، ومرر يديه على قميصه الرطب وهو يحدّق بالطلاء المتقشر على الجدار حيث بقيت آثار الزمن واضحةً.
تذكّر عين التنين الهائلة، الغريب… أنه لم يشعر بأيّ خوف.
«أتعلم؟ عدد كبير من الناس لا يستطيعون فعل ذلك».
انطلق الصوت العميق مرة أخرى.
في طرفة عين جلس إيثان، وأخذ صدره يضج بتوتر يتزايد مع كل ثانية تمر.
«من هناك؟!»
لقد سمع هذا الصوت نفسه البارحة… بنفس النبرة المتهكمة.
«لا حاجة لكل هذا التوتر، يا إيثان».
«هل وصلتُ إلى حافة الجنون الآن؟» قالها وهو يضغط على أسنانه.
«ليس بالضبط». قال الصوت، مازحًا.
«من أنت؟ وكيف يتردد صوتك في رأسي؟»
«أنا…»
صمت لوهلة، ثم أكمل:
«أنت».
عبس إيثان.
هذا قد يفسر الكثير، باستثناء أنني لا أتحدث بهذا الشكل.
صمت الصوت.
وبانفعال ضرب رأسه: «هذا بالضبط ما أحتاجه الآن… أن أسمع أصواتًا تعبث بعقلي».
«أصوات؟» قال الصوت بسخرية «إنه صوت واحد فقط».
تجاهله إيثان.
متجهاً بسرعة نحو الخزانة البالية الى جوار الأريكة، أخذ يبحث عن ملابس مناسبة وبدأ بتبديل ملابسه.
«إلى أين نحن ذاهبون؟»
«اخرج من رأسي!» قالها بعصبية.
أخرج هاتفه وضبط الـGPS على أقرب عيادة طبيب نفسي.
«حسنًا، أتفهم هذا القرار… لكن لنتناقش أولًا».
«ليس هناك ما يُناقش». فكر إيثان. سأُصلح هذا.
«أجل، هدر المال من أجل بضع كلمات متعاطفة».
«حل عبقري فعلًا».
على الدرج نزل إيثان، فوقعت عينه على دراجته الكهربائية المربوطة بسلسلة حديدية… تجمّد للحظة، ثم ابتلع ريقه بغصّة وأدار رأسه نحو المخرج.
راح يمشي في طريقه على الرصيف بين المارّة بعجلة، رفع حاجبيه وهو ينظر إلى هاتفه؛ ١٠٠ متر متبقية، بصعوبة تفادى الاصطدام بفتاة أطلقت عليه لقب الغبي ولكنه تابع طريقه بغير انتباه، حتى إنه كاد يتعثر بدرج المكتب، توقف سريعاً أمام الباب، كان عليه لوحة من المعدن اللامع حفر عليها:
(الدكتورة هيلين طبيبة نفسية)
مرر يديه على شعره في محاولة يائسة لتهذيبه وطرق الباب…
دخل إيثان لحجز موعد، وهو يتمنى أن تكون الدكتورة هيلين متفرغة.
«سوف يكون هذا مثيرًا للاهتمام» قال الصوت بتهكم.
ولحسن الحظ لم يكن هناك أحد غيره، طلب بأدب من السكرتيرة التأكد من تواجد الدكتورة وهو يمسح قطرات العرق من على وجهه، فأشارت له بإمكانية الدخول الى المكتب الخاص ب د.هيلين وهي تنظر له بارتباك.
كان المكتب يحمل مزيجاً غريباً بين البساطة والعمق؛ أثاث خشبي داكن، ولوحات هادئة معلقة على الجدران، وساعة صغيرة تصدر صوتًا خافتًا يملأ لحظات الصمت. على الرفوف اصطفت كتب علم النفس بجانب بعض القطع الفنية، وكأن المكان نفسه يحاول فهم العقول التي تدخله.
استقرت أريكة مريحة أمام مكتب أنيق، وبينهما طاولة صغيرة وُضعت عليها بعض المناديل وكوب ماء، كأنها دعوة صامتة لمن يجلس هناك بأن يتحدث دون خوف. لم يكن المكان يشبه عيادة باردة، بل مساحة آمنة تُترك فيها الأسرار خلف الأبواب المغلقة.
جلس إلى الأريكة يواجه الدكتورة.
قالت هيلين بدفء: «يمكنك أن تبدأ يا عزيزي، قل لي ما المشكلة».
سكت قليلاً… ضم يديه معاً وانحنى باتجاه الدكتورة، متفادياً النظر في عينيها.
«حياتي حاليًا تتجه نحو الهاوية».
«طُردت من عملي البارحة، حسابي البنكي في حالة يُرثى لها… سوف أنتقل إلى العيش في الشارع بعد يومين، واليوم صباحاً بدأت أسمع صوتاً مزعجاً في رأسي».
أكمل إيثان، يزم شفتيه بامتعاض: «ولا أستطيع التخلص منه».
هيلين، وهي تبتسم: «أعتقد أن هذا طبيعي جدًا يا إيثان… أنت تتعرض لضغوط كبيرة في هذه المرحلة الحساسة من حياتك».
أكملت هيلين بلطف: «أنت تحتاج فقط أن تراجع خياراتك وتفكر بهدوء» استقامت من مقعدها خلف المكتب واقتربت منه، وفي يدها قطعة من الحلوى.
قدمتها له والتعاطف يلوح في عينيها: «ما الذي يقوله لك هذا الصوت؟»
أخذ إيثان الحلوى منها بتردد: «إنه يحاول أن يبدو رائعًا بتهكمه الدائم».
على مقعد مقابل استقرت هيلين: «أحيانًا يا إيثان، جزء منا يلجأ للمزاح في مواقف كهذه لتخفيف التوتر».
إيثان بعصبية: «أجل، هذا يبدو صحيحًا يا دكتورة، باستثناء أنه لا يساعدني أبداً».
تفحصته هيلين لثوانٍ بدت طويلة ثم قالت أخيراً: «لم لا تحاول الاستماع أولاً لهذا الصوت، ثم تقرر إن كان يجب التخلص منه أم لا؟»
_______________________________________________________________________________________________________________
قيّم هذا الفصل
⭐ —/10
لا توجد تقييمات بعد