الفصل 1

الفصل 1

821 كلمة · ≈4 دقيقة قراءة

لعنة الساحر

لم يكن هارو يؤمن بالحظ.

كان يظن أن الحظ مجرد كلمة اخترعها الناس لتبرير الأشياء التي لا يستطيعون تفسيرها.

لكن ذلك الاعتقاد تغيّر في اليوم الذي مات فيه سيده.

---

كان العالم أكبر مما يستطيع هارو تخيله.

قارات تفصل بينها بحار شاسعة، وممالك تتنافس على النفوذ، وغابات لم تطأها أقدام البشر منذ قرون، ومدن يعيش فيها السحرة إلى جانب عامة الناس.

وكان السحر جزءًا من الحياة.

هناك من يستخدمه لإشعال النار، ومن يسخره للشفاء، ومن يكرّس حياته لدراسة العناصر والظواهر الغامضة.

لكن السحر لم يكن دائمًا نعمة.

ففي أعماق العالم وُجدت أنواع من السحر لم يكن الناس يتحدثون عنها إلا همسًا.

ومن بينها...

سحر اللعنات.

كان هارو يعرف ذلك جيدًا.

فقد أمضى سنوات من حياته في منزل رجل لم يكن اسمه مجهولًا في عالم السحر.

جاك.

الساحر العظيم.

رجل بلغ من العمر مئةً وخمسين عامًا، وقيل إن معرفته بالسحر تجاوزت حدود ما يستطيع معظم السحرة فهمه.

لم يكن جاك شخصًا ودودًا.

كان غريب الأطوار، قليل الكلام، يقضي معظم وقته بين الكتب والمخطوطات، ويضع قوانين كثيرة داخل منزله.

ومن أهمها:

لا تدخل غرفتي دون إذني.

هارو لم يكن يعرف السبب.

ولم يكن يجرؤ على السؤال.

كان مجرد خادم.

فتى في الرابعة عشرة من عمره، اعتاد تنظيف المنزل، إعداد الطعام، وترتيب الكتب التي لا يستطيع قراءة معظمها.

كانت حياته بسيطة.

مملة أحيانًا...

لكنها كانت آمنة.

حتى ذلك الصباح.

---

حمل هارو صينية الطعام وصعد الدرج.

"سيدي جاك؟"

لم يسمع جوابًا.

توقف أمام الباب.

طرق مرتين.

لا شيء.

عبس.

كان جاك قد يظل داخل غرفته لساعات، لكنه لم يكن يتجاهله عادةً بهذه الطريقة.

فتح الباب ببطء.

"سيدي؟"

كان أول ما لاحظه هو الصمت.

ثم رأى جسد جاك على الأرض.

سقطت الصينية من يده.

ارتطم الطبق بالأرض، وانتشر الطعام فوق السجاد.

"سيدي!"

ركض نحوه.

جثا بجانبه ومد يده إلى كتفه.

"سيدي جاك... استيقظ."

لم يتحرك.

هزه مرة أخرى.

"أرجوك..."

لم يفهم هارو لماذا بدأ قلبه بالخفقان بهذه القوة.

كان يعرف أن جاك رجل عجوز.

كان يعرف أن الموت حقيقة.

لكن عقله رفض تصديق أن الرجل الذي عاش أمامه طوال تلك السنوات أصبح الآن بلا حركة.

اقترب أكثر.

ثم لمس جسده.

وفي اللحظة نفسها...

انطفأت جميع الشموع في الغرفة.

تجمد هارو.

شعر ببرودة تسري من أطراف أصابعه إلى ذراعه.

تراجع بسرعة.

ثم رأى شيئًا جعل الدم ينسحب من وجهه.

ظهرت علامة سوداء على ظهر يده.

خط رفيع...

ثم آخر.

ثم بدأت الخطوط تتشابك فوق جلده كأن شيئًا غير مرئي يرسمها من الداخل.

"ما... هذا؟"

حاول فركها.

لم تختفِ.

بل ازدادت.

وفجأة شعر بألم حاد، فسقط على ركبتيه.

صرخ.

وفي مكان ما داخل المنزل، تحطم زجاج.

ثم عاد الصمت.

---

بعد ساعات، عرف هارو الحقيقة.

كان هناك نوع من السحر القديم يعرف باسم لعنة الساحر الميت.

عندما يموت ساحر وهو يحمل لعنةً نشطة، فإن أول شخص يلمس جسده قد يصبح حاملًا لها.

لكن اللعنة لم تكن مجرد علامات على الجلد.

كانت تجلب معها سوء الحظ.

أشياء صغيرة في البداية.

كوب يسقط.

باب ينغلق فجأة.

طريق ينهار في اللحظة الخطأ.

ثم تصبح الأمور أسوأ.

والأسوأ من ذلك كله...

أن اللعنة لا تؤثر على حاملها وحده.

كلما اقترب منه شخص أو تعامل معه، أصبح معرضًا لسلسلة من المصائب.

نظر هارو إلى العلامات المنتشرة على ذراعه.

لأول مرة في حياته...

شعر بالخوف من نفسه.

---

"هل يمكن إزالتها؟"

كان السؤال بالكاد يخرج من فمه.

ظل الساحر الذي أمامه صامتًا للحظات.

ثم قال:

"نعم."

رفع هارو رأسه بسرعة.

"كيف؟"

"الإلف."

تغيرت ملامح هارو.

كان قد سمع عنهم.

الجنس الذي يعيش خلف الغابات القديمة، بعيدًا عن ممالك البشر.

كانوا معروفين بقدرتهم الغريبة على التعامل مع السحر الذي يعجز عنه البشر.

لكنهم لم يكونوا أصدقاء للبشر.

بل على العكس.

بين الإلف والبشر تاريخ طويل من الحروب والخيانة والصراعات.

وكان دخول أراضيهم دون إذن كافيًا لتحويل المسافر إلى عدو.

قال هارو:

"هل سيساعدونني؟"

لم يجبه الساحر مباشرة.

ثم قال:

"ذلك يعتمد عليك."

خفض هارو نظره إلى يده.

"وماذا لو رفضوا؟"

هذه المرة كانت الإجابة واضحة.

"ستبقى اللعنة معك."

ساد الصمت.

نظر هارو إلى جسد جاك الذي بقي في الغرفة.

كان الرجل الذي قضى سنوات يخدمه قد رحل.

ولم يترك له سوى منزل مليء بالأسرار...

ولعنة على جسده...

وطريقًا مجهولًا نحو أراضي قوم قد لا يرغبون حتى في رؤيته.

قبض هارو يده.

كان خائفًا.

بشدة.

لكنه لم يكن مستعدًا للموت.

ولا لأن يعيش بقية حياته وحيدًا بسبب لعنة لم يخترها.

رفع رأسه.

"أين أجد الإلف؟"

ابتسم الساحر ابتسامة خفيفة.

"هذا هو الجزء الصعب."

---

في اليوم التالي، غادر هارو منزل جاك للمرة الأولى.

لم يكن يحمل سيفًا أسطوريًا.

ولا كتابًا سحريًا.

ولا قوة خارقة.

كان يحمل حقيبة صغيرة، بعض الطعام، ملابس قليلة...

وعلامات سوداء تمتد على ذراعه.

كان العالم أمامه هائلًا.

والطريق إلى الإلف أطول مما يستطيع تخيله.

لكنه لم يكن يعرف شيئًا واحدًا:

أن اللعنة لم تكن نهاية قصة جاك.

بل كانت...

بداية قصة هارو.

وقبل أن يصل إلى الإلف، كان عليه أن يعبر عالمًا مليئًا بالسحرة، والوحوش، والممالك المتنازعة، والأسرار التي تركها جاك خلفه.

وفي مكان ما خلف الغابات القديمة...

كان هناك قوم لم ينسوا ما فعله البشر بهم.

قوم لن يرحبوا بفتى يحمل لعنة ساحر بشري.

وهكذا بدأت رحلة هارو.

رحلة فتى سيئ الحظ...

يحاول فقط أن يجد طريقة ليعيش.

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد