الفصل 1

البداية

788 كلمة · ≈4 دقيقة قراءة

في عام 2004، وُلد بسام في مدينة تورينو الإيطالية، تلك المدينة التي تجمع بين صخب الصناعة ورونق الملاعب.

لم يكن قدومه حدثًا عاديًا، بل كان ثمرة رحلة اغتراب طويلة خاضها والده ناصر رفقة شقيقه عز الدين، حيث هاجرا من ليبيا، واستقرّا هناك بحثًا عن العمل والاستقرار.

كانت للأسرتين فيلا مشتركة في أحد أحياء تورينو الهادئة؛ الطابق الأول يضم ناصر وزوجته هدى وابنهما بسّام، بينما الطابق الثاني يسكنه عز الدين وزوجته أماني – التي هي شقيقة هدى – وابنتهما بسمة. هذا الترتيب جعل البيت نابضًا بالحياة، وكأنهما أسرة واحدة لا تفصلها جدران ولا طوابق.

الروابط بين العائلتين كانت وثيقة، فناصر وعز الدين لم يكونا مجرد شقيقين، بل رفيقي درب في الغربة، يتقاسمان الأعباء والأحلام.

أما هدى وأماني، فكانتا توأمًا في الروح قبل أن تكونا شقيقتين في الدم، تتشاركان تفاصيل الحياة اليومية، من إعداد الطعام إلى متابعة الأطفال في المدرسة.

وسط هذا الجو العائلي الدافئ، نشأ بسام وهو يلهو مع ابنة عمه بسمة في حديقة الفيلا، يركضان بين الأشجار، ويتقاسمان الضحكات والبراءة.

1000146404.jpg

منذ سنواته الأولى، كان بسام يعيش في عالم كرة القدم. لم يكن ذلك غريبًا، فأبوه ناصر وعمه عز الدين من مشجعي نادي يوفنتوس المتعصبين، يتابعان المباريات بشغف، ويملآن البيت بأحاديث عن "السيدة العجوز". ومع مرور الوقت، ورث بسام هذا العشق، حتى صار يهتف ببراءة الطفولة:

«فنتوس… فنتوس!» وهو يركض في أرجاء الفيلا، وكأن صوته الصغير يردد صدى المدرجات في ملعب "أليانز ستاديوم".

كان ناصر يبتسم بفخر وهو يرى ابنه يتقمص دور اللاعبين الكبار، بينما عز الدين يضحك ويقول:

– "إن دم يوفنتوس يجري في عروقه."

لكن وسط هذا الجو الكروي الصاخب، كانت بسمة مختلفة تمامًا. لم تكن كرة القدم تعني لها شيئًا، بل كانت تراها مجرد ضجيج يملأ البيت.

كانت تفضل الكتب والرسم، وتجلس في غرفتها بعيدًا عن صخب المباريات.

1000146406.jpg

وفي إحدى الأمسيات، بينما كان بسام يركل الكرة في الحديقة وهو يرتدي قميص يوفنتوس الصغير، اقترب من بسمة وقال بحماس:

– "بسمة، انظري… أنا مثل ديل بييرو!"

رفعت حاجبيها بابتسامة ساخرة وأجابت:

– "بالنسبة لي، أنت فقط بسام… والكرة مجرد لعبة."

وحين بلغ بسام الخامسة من عمره، قرر والده ناصر أن يخطو الخطوة الأولى في طريق حلمه الكبير.

أخذ بيد ابنه الصغير إلى أكاديمية نادي يوفنتوس، التي لم تكن تبعد كثيرًا عن منزلهم في تورينو، وهو يحمل في قلبه أملاً بأن يرى بسام يرتدي يومًا قميص "السيدة العجوز".

لكن المفاجأة كانت قاسية؛ إدارة الأكاديمية أخبرته أن التسجيل مغلق إلى حين إشعار آخر.

لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لتبدد كل الحماس الذي حمله ناصر في طريقه إلى هناك.

1000146408.jpg

خرج من المبنى وهو يجر خلفه خيبة أمل ثقيلة، بينما كان بسام ينظر إليه بعينين صغيرتين تتساءلان عن السبب.

عند عودته إلى الفيلا، استقبلته هدى بقلق وسألته:

– "ناصر، ماذا حصل؟ هل سجّلته؟"

تنهد ناصر وأجاب بصوت مثقل:

– "للأسف… التسجيل مغلق. لا مكان له الآن."

اقتربت منه هدى، وضعت يدها على كتفه وقالت بلطف:

– "اهدأ يا ناصر، لا تشغل بالك كثيرًا، سيأتي وقت آخر، لا شيء يضيع."

ورغم صغر سن بسام، إلا أنه شعر أن نادي طفولته قد تخلى عنه، وأن حلمه في تمثيل الفريق الذي نشأ على أجواء مبارياته قد تبخر قبل أن يبدأ.

جلس في غرفته تلك الليلة وهو يحدق في كرة صغيرة بين يديه، يتمتم بصوت خافت:

– "لماذا يا يوفنتوس؟ لماذا؟"

كانت تلك اللحظة أول درس قاسٍ في حياة بسام، درس علّمه أن الطريق إلى المجد لا يبدأ دائمًا كما نتمنى، وأن الأحلام تحتاج إلى صبر قبل أن تتحقق.

بعد أيام قليلة، وبينما كان بسام يلهو بالكرة مع أطفال الحي في تورينو، ظهر رجل غريب ذو هيبة واضحة، يرتدي معطفًا أنيقًا ويقف متأملًا خطواته الصغيرة.

1000146435.jpg

اقترب من بسام وسأله بنبرة جادة:

– "ما اسمك يا بطل؟ ومن هو والدك؟"

لم يتردد بسام، فأجاب بكل براءة، وأعطاه اسم والده ورقم هاتفه.

في تلك الليلة، رنّ هاتف ناصر. كان المتصل ذلك الرجل، الذي أفصح عن هويته بأنه "كارلوس" من قسم الكشافة في أكاديمية نادي نابولي. بصوت رسمي قال:

– "رأيت ابنك اليوم… لديه موهبة فطرية. نريد أن ينضم إلينا في أكاديمية نابولي."

تجمّد ناصر للحظة، فالعرض بدا مغريًا، لكنه كان يحمل في طياته تحديًا كبيرًا.

فأكاديمية نابولي تبعد عن تورينو قرابة سبعمئة كيلومتر، وهذا يعني أن الأسرة ستُحرم من رؤية بسام لفترات طويلة.

قلب الأب امتلأ بالرفض، فهو لم يتصور أن يبتعد ابنه عن حضن البيت في هذا العمر الصغير.

حين أخبر زوجته هدى، نظرت إليه بقلق وقالت:

– "ناصر، القرار صعب… لكن ربما هذه فرصة لا تُعوّض."

أجابها بحدة ممزوجة بالحيرة:

– "لا أستطيع… كيف أتركه بعيدًا عنا؟ إنه ما زال طفلًا."

1000146437.jpg

وفي اليوم التالي، وخلال وقت العمل، استشار ناصر أخاه عز الدين، الذي كان أكثر واقعية، فقال له:

– "ناصِر، أنصحك أن توافِق… فهذه قد تكون الخطوة الأولى لبسام، وبعدها يأتي يوفنتوس. لا تغلق الباب أمام حلمه."

لكن ناصر ظل غير مقتنع تمامًا، يتأرجح بين قلب الأب الذي يخشى الفراق، وعقل الرجل الذي يدرك أن الفرص لا تأتي مرتين.

أما بسام، فكان يترقب القرار بقلق، يشعر أن مصيره الكروي يتوقف على كلمة واحدة من والده.

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد