الفصل 1

سقوط الغراب

797 كلمة · ≈4 دقيقة قراءة

في أرض مصر القديمة، حيث كانت الشمس تشتعل فوق ضفاف النيل، وحيث كانت القرى والأقاليم تحمل راياتها وآلهتها وأسرارها، دخل مجموعة من الرجال وهم يجرّون شابًا صغيرًا مكبل اليدين.

كان عمره خمسة عشر عامًا فقط.

كان وجهه يحمل حزنًا لا يشبه حزن الأطفال، بل حزن رجل فقد كل شيء قبل أن يبدأ حياته. كان شعره أسود كثيفًا، وعيناه بنيتين تحملان نظرة ضائعة، كأنهما تبحثان عن شيء فقده منذ زمن. كان جسده هزيلًا وضعيفًا، وملامحه تحمل آثار الانكسار والندم.

لم يكن ذلك الشاب يشبه قاتلًا، بل كان يشبه شخصًا هزمته الحياة قبل أن يهزمه الناس.

قادوه إلى رجل عجوز مهيب، تجاوز السبعين من عمره. كان شيخًا يملأ المكان هيبة ووقارًا، يجلس بين رجال قومه ويتحدث معهم بهدوء وثقة. لم يكن مجرد رجل كبير في السن، بل كان صاحب مكانة وحكمة، رجلًا يحترمه الجميع.

اقترب الرجال منه وقال أحدهم:

"يا شيخ... هذا ابن أخيك. لقد قتل ابنك."

استمر الرجل في حديثه مع القوم وكأن الكلمات لم تصل إليه. لم يصرخ، ولم يغضب، ولم يتحرك.

حتى أنهى كلامه.

ثم رفع عينيه نحو الشاب.

نظر إليه طويلًا، وكأنه يرى خلف الجريمة إنسانًا مكسورًا.

وقال بهدوء:

قتلت ابن عمك وقطعت رحمك.......؟!

ثم صمت لحظة، وقال:

"سأرحمك."

التفت بعدها إلى ابنه الأكبر، وكان يدعى نبيل، وكان يجلس بجواره.

قال له:

"اذهب إلى ابن عمك. جهزه، وخذ أخاك معك. أكرم دفنه، وضع حوله من الذهب ما يكفي ليعيش حياة كريمة في الدار الآخرة."

ثم عاد إلى صمته.

في تلك اللحظة، لم يفهم أحد لماذا اختار العفو بدل الانتقام.

لكن ذلك القرار كان بداية قصة ستغير حياة ذلك الشاب إلى الأبد.

اسمي حورمحب

وهذه حكايتي.

عندما كنت في السابعة من عمري، كنت مختلفًا عن باقي الأطفال.

في مصر القديمة، كان العلم شيئًا عظيمًا. كان العلماء والكتبة والفلكيون وأصحاب المعرفة يحتلون مكانة عالية بين الناس. لم يكن الرجل يُقاس فقط بقوته، بل بما يحمله عقله من معرفة.

ولهذا اهتم أبي بتعليمي.

كنت طفلًا ذكيًا جدًا، تعلمت القراءة والكتابة في عمر صغير، قبل أن يصل كثير من الأطفال إلى هذه المرحلة. كان الجميع يقولون إنني سأصبح شيئًا عظيمًا.

كانوا يرون فيّ مستقبلًا كبيرًا.

وعندما بلغت العاشرة، جاء الاختبار الذي يحدد طريق الأطفال المميزين.

كانوا يختارون من يصلح ليصبح:

مهندسًا يبني الأهرام والمعابد.

عالم فلك يدرس أسرار السماء.

ساحرًا من أصحاب العلوم القديمة.

كاتبًا في دواوين الدولة.

فالكاتب والعالم لم يكونا مجرد أشخاص عاديين، بل كانوا من أصحاب المكانة العالية في المجتمع.

كانت طبقات الدولة واضحة:في القمة الملك والأسرة الحاكمة.ثم العلماء وأصحاب المعرفة.ثم الجيش.ثم بقية الشعب من العمال والمزارعين.

كنت مستعدًا لهذا الاختبار.

كنت أظن أنني سأثبت للجميع أنني الأفضل.

لكن قبل الاختبار حصلت على شيء غيّر حياتي...

كرة بلورية.

كانت شيئًا نادرًا ومحبوبًا بين الناس في ذلك الزمن. كان البعض يعتقد أنها تكشف أسرار العالم، وترى الأحداث البعيدة، وتكشف ما يحدث في البلاد.

ومنذ اللحظة التي أمسكتها فيها، أصبحت أسيرًا لها.

كنت أجلس أمامها من الصباح حتى الليل.

أنظر إليها بدل أن أدرس.

أحلم بها بدل أن أعمل.

حتى أصبحت الكرة البلورية أهم شيء في حياتي.

نسيت كل شيء.

نسيت دراستي.

نسيت حلمي.

وعندما جاء الاختبار...

فشلت.

كان سقوطًا لم يتوقعه أحد.

أبي الذي كان يفتخر بي، أصيب بالخيبة.

عائلتي كلها شعرت بالصدمة.

فقد كانوا يقولون عني دائمًا:

"هذا الطفل سيكون أعظم من الجميع."

لكنني أصبحت الطفل الذي لم يحقق شيئًا.

بعدها لم أستطع التخلص من إحساسي بالفشل.

جلست مع الكرة البلورية أكثر وأكثر.

أصبحت لا أريد الحركة.

لا أريد الكلام.

كنت أشعر أن جسدي ثقيل، وأن روحي أثقل منه.

كنت أرى نفسي أضعف شخص في القرية.

وكان هناك شيء آخر يؤلمني...

فتاة كنت أحبها.

كنت أظن أنها ستبقى بجانبي مهما حدث.

لكن في يوم رأيتها تسير مع ابن عمي.

كان قويًا، مفتول الجسم، صاحب مكانة بين الشباب.

ذهبت إليهما، وواجهتها.

نظرت إلي وقالت:

"أنت فاشل."

توقفت كلمتها في صدري.

ثم أكملت:

"أنت لا تصلح لشيء. هل تظن أن شخصًا مثلي سيختار شخصًا مثلك؟"

كانت كلماتيها أقسى من أي ضربة.

كنت في الخامسة عشرة فقط، بلا إنجاز، بلا قوة، بلا مكانة.

انفجرت غضبًا وهاجمت ابن عمي.

لكنني اكتشفت الحقيقة التي كنت أهرب منها...

لم أكن قويًا.

ضربني بسهولة.

أسقطني على الأرض.

لم أستطع الدفاع عن نفسي.

كان جسده أقوى، وخبرته أكبر.

وضع قدمه فوق رأسي وقال:

"إذا حاولت مرة أخرى، ستندم."

في تلك اللحظة شعرت بكل شيء.

الإهانة.

الضعف.

الذل.

كيف وصلت إلى هنا؟

كيف أصبح هذا أنا؟

لم أفكر.

وجدت حجرًا كبيرًا بجانبي.

لم يرني.

تقدمت خلفه...

وضربته.

سقط على الأرض.

وفي تلك اللحظة تغير كل شيء.

بعدها لم أعد أذكر سوى أيدي الرجال وهي تمسكني، وصوت الناس وهم يصرخون، ثم وجدوا أنفسهم يقودونني إلى عمي.

كان عمي من أحكم رجال البلاد.

رجل لا يتخذ قرارًا بغضب، ولا يحكم بقلبه فقط.

كان لديه ابنان:

رام...

ونبيل، ابنه الأكبر.

كان نبيل عكس أبيه تمامًا.

  1. كان قويًا، جريئًا، ومشاغبًا قليلًا، لكنه كان من أقوى رجال القبيلة.

أما عمي فكان دائمًا بجانب أبيه في مجالس الحكم، يتعلم منه الحكمة والسياسة.

في ذلك الزمن، لم تكن مصر كما يعرفها الناس لاحقًا.

كانت الأقاليم منفصلة القوة.

كان الملك ضعيفًا.

.......

1000061252.png

يتبع........

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد