الفصل 1
تَنَاقُدُ العُلَى
720 كلمة · ≈4 دقيقة قراءة
في أعالي الفضاء الشاسع، حيث تلتقي زرقة السماء بحدود البراري الممتدة بلا نهاية، كان يربض سِيدُ تلك الأجواء.
لم يكن مجرد طائر كاسر، بل كان تجسيداً لاسمه الذي هزّ أركان تلك الفيافي:
"إعصار".
كان صقراً فريد الخِلقة، تكسو جسده المهيب ريشاتٌ رمادية داكنة رُقِّطت بسوادٍ كالح كأنه قطعٌ من ليل، لكنَّ ميزته الفريدة التي تخلع القلوب كانت تلك البقعة الناصعة من الريش الأبيض المتربع فوق صدره، كأنها دِرعٌ من ثلج وسط عاصفة.
بين أسراب الطيور الوديعة ووديان الحمائم، لم يكن ذكره يمرّ إلا واقشعرّت الأبدان؛
إذ كان يُدعى في مجالسهم بـ
"شيطان الأفق"،
الموت الزؤام الذي يهبط من حيث لا يحتسبون.
أما في قمم الجبال، وبين جحافل الصقور الكواسر، فلم يكن له كفوٌ ولا نديد، هناك كان اسمه الذي لا يُنازَع فيه:
"ملك السماء".
كانت البراري شاسعة، تعجّ بصقورٍ تتبع ناموس الطبيعة الأزلي؛
تخرج مع خيوط الفجر الأولى، تحثّها غريزة البقاء، فتصطاد لتسدّ جوعاً أو لتعود بقوتٍ لزغب الفراخ في أعشاشها.
صيدٌ بمقدار، وحياةٌ تحكمها الحاجة.
أما إعصار، فقد كان يغرّد خارج ذلك السِرب كلياً.
لم يكن الجوع محركه، بل كانت القوة والسيادة.
في غلالب أوقاته، كان ينسلّ من قمة مرقبه العالي ليصطاد لمجرد التسلية العابثة، يمزق سكون الأفق ليرى الذعر في عيون الضحايا، ويُشبع شهوة القنص والسطوة في نفسه المتمردة.
كان ينظر إلى الخلائق التي تدبّ على ثرى الأرض بعين الازدراء الشديد، لم يكن يرى في تلك الحيوانات والفرائس الأرضية صيداً شريفاً يليق بجناحيه، بل كان يسمّيها في قرارة نفسه "جِيَفاً متحركة" تسعى حتفهَا بأقدامها.
حين يحلق إعصار، تنحبس الأنفاس في الفضاء.
كان ينتقي طريدته بعناية فائقة، يحلّق في الأعالي كأنه غيمة سوداء، وما إن يُصوّب ناظريه الحادّين كالنصال على فريسة ما، ويُثبّت عليها نظرة الموت، حتى يقع لاهوت الرعب في قلوب سائر الكواسر المحلقة حوله.
كانت الصقور الأخرى بمجرد أن تلمح اتجاه نظرته، تفهم الإشارة فوراً: هذه الطريدة غدت مِلكاً للملك، غدت قضاءً مبرماً لا رادّ له.
فلا يجرؤ صقرٌ، مهما بلغ بأسُه، أن يقترب من محيط صيده أو يدنو من فريسته، آثرين السلامة على مواجهة مخالبه الفتاكة.
ولم تقف سطوته عند حدود القنص والترهيب، بل امتدت لتجعل منه محطّ أنظار إناث الصقور في تلك البراري.
كانت الإناث تتسابق وتتهافت في استعراضات مهيبة خلفه، تبتغي خطب ودّه والتقرب من حماه، ولم يكن ذلك وداً لعطفه، بل طمعاً في جينات الجبروت التي يحملها بين جوانحه.
كنّ يرجون أن تنفلق بيوضهنّ في القادم من الأيام عن فراخٍ ورثت بأس إعصار، وحزمه الذي لا يلين، وقوته التي لا تُقهر، لِتَسيدَ الجبال من بعده.
بيد أن ملك السماء كان كالمستجير بكبريائه عن كل شيء؛
لم يعر تلك الإناث أدنى التفات، ولم ينظر إليهن يوماً بنظرة تؤنس وحشته.
كانت علاقته بهنّ تمرّ كعاصفة عابرة، علاقة تكاثرٍ أملتها الطبيعة وامتدادِ نسلٍ ليس إلا، تاركاً خلفه قلوباً واجفة وعيوناً ترقب طيفه المتكبر وهو يختفي مجدداً في كبد السماء.
.
.
.
في المقلب الآخر من ذلك الفضاء الرحب، حيث تنسج خيوط الشمس الذهبية غزلها فوق الروابي، كانت هنالك أعجوبة أخرى تحلق، لكنها لم تكن تحمل موتاً بل كانت تنبض بالحياة؛ هي "نسمة".
كانت حمامةً صيغت من طهر وبهاء، يتدثر جسدها الضئيل بريشٍ ناصع البياض كأنه قَبسةٌ من ثلجِ القمم البِكر، أو قطعةٌ سقطت من غيمةٍ غسلتها أمطار الفجر.
لم يكن بياضها هو كل ما يسحر الألباب، بل تلك الرشاقة النادرة والأناقة الآسرة التي حُبيت بها؛
فكانت في حركتها تبدو كأنها لا تطير، بل ترقص فوق تماوج الأثير.
أحبت نسمة الفضاء حبّاً ملك عليها جوارحها، فكانت تقضي في كبد السماء من الأوقات أضعاف ما تقضيه قريناتها من سائر الحمام. وحين كان التعب يحلّ بأسراب صديقاتها، فيَهبِطنَ متخاذلاتٍ نحو غصون الأشجار الوارفة، يبتغين الراحة والتقاط الأنفاس بعد جولة طيرانٍ قصيرة، كانت هي تأبى الهبوط. تظلّ مُعلّقة في الأفق البعيد، تجوب مساحات الضياء وحدها، وتستعرض أمام عيونهنّ المبهوتة في الأسفل فنوناً من التحليق العجيب؛
تنكفئ تارة كالسهم، وتتهادى تارة كالأرجوحة، وتنساب بين النسمات بسلاسةٍ تُعجز الوصف.
هذا الدلال اللامتناهي والجمال السافر أوقدا نار الغيرة في صدور إناث الحمائم؛
فكنّ يرمقنها من فوق الغصون بأعينٍ ملأها الكمد، يحسدنها على تلك الرشاقة الفريدة التي لم يؤتين مثلها، وعلى ذلك البهاء الذي يسرق الأنظار أينما حطّت أو طارت.
أما ذكور السرب، فكانت قلوبهم تخفق مع كل خفقةٍ من جناحيها.
تمنّوا جميعاً الدنوّ منها، ورجوا في سرّهم أن ينالوا حظوة القرب من حماها، وعلى الرغم من غضارة سنّها وصِغر غصنها الأخضر الذي لم يشتد بعد، إلا أن سحرها كان قد جاوز مداه، فغدت حُلماً مستعصياً يحلّق في الأعالي، تُطالعه العيون بشغفٍ وعجز، بينما تظل هي لاهيةً في علياها، لا يشغل بالها سوى عناق الريح والتحليق بعيداً في فضاء لا تعرف له حدوداً.
قيّم هذا الفصل
⭐ —/10
لا توجد تقييمات بعد