الفصل 1

بداية جديدة

1248 كلمة · ≈6 دقيقة قراءة

استيقظت إيلينا فيكتور على صوت المنبه الذي مزق هدوء الصباح.

فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف غرفتها.

كان هذا اليوم مختلفًا.

اليوم ستغادر أوريكا.

واليوم ستبدأ حياة جديدة في مدينة نوفيرا.

جلست على طرف السرير، ونظرت إلى الحقائب الموضوعة بجانبها.

منذ طفولتها، عاشت إيلينا في منزل جدها وجدتها في أوريكا.

كانا عائلتها الوحيدة.

أما والدها...

فلم تكن تعرف عنه شيئًا.

لم ترَ وجهه.

لم تسمع صوته.

ولم تكن تملك حتى صورة واحدة له.

كلما سألتهما عنه عندما كانت صغيرة، كانا يجيبانها بالجملة نفسها:

"عندما تكبرين... ستفهمين."

ومع مرور السنوات، توقفت إيلينا عن السؤال.

لكن السؤال لم يختفِ من داخلها.

من هو والدي؟

وقفت أمام المرآة ورتبت شعرها، ثم أخذت نفسًا عميقًا.

كانت في الثانية والعشرين من عمرها، وعلى وشك دخول مرحلة جديدة من حياتها.

ستدرس علم النفس في جامعة نوفيرا.

لم يكن اختيارها للتخصص عشوائيًا.

لطالما أثارها سلوك البشر.

لماذا يخفي الإنسان حزنه خلف ابتسامة؟

لماذا يكذب البعض رغم أن الحقيقة واضحة؟

وماذا يمكن لنظرة واحدة أو حركة بسيطة أن تكشفه؟

ربما لهذا السبب اختارت علم النفس.

وربما، دون أن تدرك، كانت تحاول فهم الأشخاص الذين أخفوا عنها حقيقة والدها.

خرجت إيلينا من غرفتها.

وجدت جدتها في المطبخ تعد لها وجبة صغيرة للطريق، بينما كان جدها يجلس إلى الطاولة ويحتسي قهوته.

ما إن رأتها جدتها حتى ابتسمت.

"تعالي يا إيلي."

اقتربت إيلينا واحتضنتها.

قالت جدتها:

"سأشتاق إليك كثيرًا."

ابتسمت إيلينا.

"وأنا أيضًا."

اقترب جدها ووضع يده على كتفها.

"نوفيرا مدينة كبيرة. كوني حذرة."

ضحكت إيلينا.

"جدي، أنا ذاهبة للدراسة، وليست إلى الحرب."

ابتسم جدها.

لكن عينيه بقيتا جادتين.

"أعرف."

ثم قال:

"فقط اتصلي بنا كل ليلة."

"وعد."

تبادلت إيلينا وجدها نظرة طويلة.

لاحظت شيئًا غريبًا في عينيه.

وكأنه يريد أن يقول شيئًا...

لكنه تراجع.

سألته:

"هل أنت بخير؟"

ابتسم.

"بالطبع."

ثم أضاف:

"اذهبي الآن قبل أن تتأخري."

احتضنت إيلينا جدها وجدتها مرة أخيرة.

"سأعود في العطلة الصيفية."

ابتسمت جدتها.

"سننتظرك."

لوّحت لهما إيلينا، ثم غادرت.

لم تكن تعرف أن تلك ستكون آخر مرة تراهما فيها.

بعد ساعات من السفر، وصلت إيلينا إلى مدينة نوفيرا.

كانت المدينة أكبر بكثير من أوريكا.

مبانٍ شاهقة، شوارع مزدحمة، مقاهٍ مليئة بالطلاب، وسيارات تتحرك في كل اتجاه.

وقفت أمام بوابة الجامعة للحظات.

نظرت إلى المبنى الكبير أمامها.

ثم ابتسمت لنفسها.

"حسنًا يا إيلينا... لنبدأ."

بعد إنهاء إجراءات التسجيل والسكن، صعدت إيلينا إلى الطابق الثالث.

توقفت أمام باب غرفتها.

314.

أدخلت المفتاح وفتحته.

كانت الغرفة واسعة نسبيًا.

ثلاثة أسرّة.

ثلاثة مكاتب.

خزانة كبيرة مشتركة.

ونافذة واسعة تطل على جزء من الحرم الجامعي.

وضعت إيلينا حقيبتها بجانب أحد الأسرّة.

نظرت حولها.

كان هناك سرير آخر مرتب، بينما السرير الثالث لا يزال فارغًا.

ابتسمت.

"يبدو أنني وصلت قبل الجميع."

بدأت بترتيب أغراضها.

وبعد دقائق...

انفتح الباب.

استدارت.

دخلت فتاة تحمل حقيبة كبيرة، وتوقفت عندما رأت إيلينا.

ابتسمت الفتاة.

"أهلًا."

ابتسمت إيلينا.

"أهلًا."

نظرت الفتاة إلى الغرفة.

ثم قالت:

"أعتقد أننا سنكون في الغرفة نفسها."

"يبدو ذلك."

وضعت حقيبتها على السرير المجاور.

ثم مدت يدها.

"أنا ميا هاريس."

صافحتها إيلينا.

"إيلينا فيكتور."

"تشرفت بمعرفتك."

"وأنا أيضًا."

جلست ميا على طرف سريرها.

ثم نظرت إلى السرير الثالث الفارغ.

"يبدو أن لدينا زميلة ثالثة."

قالت إيلينا:

"هل تعرفين من هي؟"

هزت ميا رأسها.

"لا. يبدو أنها لم تصل بعد."

ابتسمت إيلينا.

"ربما تصل لاحقًا."

لم تعرف أي منهما أن تلك الفتاة ستصبح جزءًا مهمًا من حياتهما.

ماريسا.

لكن ظهورها لم يحن بعد.

سألت ميا:

"ما تخصصك؟"

"علم النفس."

رفعت ميا حاجبها بإعجاب.

"جميل."

ثم أشارت إلى نفسها.

"أنا أدرس الإعلام والصحافة."

ابتسمت إيلينا.

"يبدو تخصصًا مناسبًا لك."

ضحكت ميا.

"ولماذا؟"

"لأنك منذ خمس دقائق وأنتِ تسألينني أسئلة."

ضحكت ميا.

"ربما لديكِ حق."

ثم قالت:

"أنا أحب البحث عن القصص... خصوصًا الأشياء التي يحاول الناس إخفاءها."

نظرت إليها إيلينا للحظة.

ثم ابتسمت.

"إذن أنتِ تحبين الأسرار؟"

"جداً."

ضحكتا معًا.

كانت بداية صداقة بسيطة...

لم تعرف أي منهما أنها ستتحول لاحقًا إلى شيء أقوى بكثير.

في صباح اليوم التالي...

دخلت إيلينا أول محاضراتها في الجامعة.

جلست في الصف الأمامي، تستمع باهتمام إلى أستاذ علم النفس.

كان يتحدث عن السلوك البشري والإشارات غير اللفظية.

قال الأستاذ:

"أحيانًا، لا يكشف الإنسان حقيقته بالكلمات."

توقف قليلًا.

ثم تابع:

"بل بما يفعله عندما يعتقد أن أحدًا لا يراقبه."

كتبت إيلينا العبارة في دفترها.

ثم رفعت رأسها.

كانت الجملة قد أثارت اهتمامها.

بعد انتهاء المحاضرة، خرجت إيلينا وهي تحمل كتبها.

كانت تنظر إلى جدول محاضراتها في هاتفها، فلم تنتبه إلى شخص أمامها.

اصطدمت به.

سقط أحد كتبها على الأرض.

"آسفة!"

انحنت بسرعة.

لكن يدًا أخرى التقطت الكتاب قبلها.

رفعت رأسها.

كان شابًا طويل القامة، هادئ الملامح.

ناولها الكتاب.

"هذا لكِ."

أخذته منه.

"شكرًا."

أومأ برأسه.

"العفو."

ثم تابع طريقه.

نظرت إيلينا خلفه للحظات.

لم تكن تعرف أن اسمه كايل ووكر.

كان يبلغ الثالثة والعشرين من عمره، ويدرس علوم الرياضة والتدريب البدني.

بالنسبة لإيلينا...

كان مجرد طالب ساعدها في موقف عابر.

بعد وقت قصير...

كانت إيلينا تحاول العثور على إحدى القاعات.

وقفت أمام خريطة الجامعة، تحاول معرفة الاتجاه الصحيح.

سمعت صوتًا من خلفها:

"تبحثين عن B-17؟"

التفتت.

كان شابًا يجلس أمام حاسوب محمول.

قالت:

"نعم."

أشار إلى الممر.

"اذهبي من هنا، ثم اصعدي الدرج. ستجدينها على اليمين."

ابتسمت إيلينا.

"شكرًا."

"العفو."

ثم عاد إلى حاسوبه.

لم تكن تعرف أن اسمه لوكاس ميلر.

كان يبلغ الثالثة والعشرين من عمره، ويدرس الأمن السيبراني.

ولم تكن تعرف أيضًا أن كايل ولوكاس صديقان مقربان.

كل ما حدث بينهما في ذلك اليوم كان مجرد صدفة.

في نهاية اليوم...

عادت إيلينا إلى الغرفة.

وجدت ميا جالسة على مكتبها.

رفعت رأسها.

"كيف كان يومك؟"

وضعت إيلينا كتبها.

"أفضل مما توقعت."

"تعرفتِ على أحد؟"

فكرت إيلينا للحظة.

ثم قالت:

"قابلت شخصين."

ابتسمت ميا.

"أصدقاء؟"

ضحكت إيلينا.

"لا. مجرد مواقف عابرة."

نظرت ميا إلى السرير الثالث الفارغ.

"أتساءل متى ستصل زميلتنا الثالثة."

جلست إيلينا على سريرها.

"ربما غدًا."

في تلك اللحظة...

رن هاتف إيلينا.

نظرت إلى الشاشة.

رقم مجهول.

ترددت قليلًا.

ثم أجابت:

"مرحبًا؟"

جاءها صوت رجل رسمي:

"هل أتحدث مع الآنسة إيلينا فيكتور؟"

"نعم."

"أنا أتصل من شرطة أوريكا."

تغيرت ملامحها.

"شرطة؟ ماذا حدث؟"

ساد صمت قصير.

ثم قال الرجل:

"إيلينا... أرجو أن تحافظي على هدوئك."

شعرت بانقباض في صدرها.

"ماذا حدث؟"

قال:

"وقع حادث في منزل جدك وجدتك."

توقفت أنفاسها.

"حادث؟"

"نحتاج إلى حضورك إلى أوريكا في أقرب وقت."

بدأ قلبها يخفق بسرعة.

"لماذا؟"

سكت الرجل للحظات.

ثم قال بصوت منخفض:

"لأننا وجدنا جدك وجدتك متوفيين داخل المنزل."

سقط الهاتف من يدها.

تجمدت في مكانها.

اقتربت ميا بسرعة.

"إيلينا؟ ماذا حدث؟"

لم تستطع إيلينا الإجابة.

كانت تنظر أمامها بعينين فارغتين.

ثم همست:

"جدي... وجدتي..."

بدأت دموعها تنهمر.

أسرعت ميا واحتضنتها.

وفي تلك اللحظة...

لم تعد نوفيرا تبدو مدينة جديدة.

ولا الجامعة بداية جديدة.

كل ما كانت تفكر فيه هو العودة إلى أوريكا.

إلى المنزل الذي غادرته قبل ساعات فقط...

وإلى الشخصين اللذين وعداها بأنهما سينتظران عودتها.

في مكان آخر من أوريكا...

كانت الشرطة تقف أمام منزل عائلة فيكتور.

لم يكن هناك حريق.

لم يكن هناك انفجار.

كان المنزل قائمًا كما هو.

لكن داخله...

كانت جريمة قتل قد حدثت.

وقف أحد المحققين أمام جثتي الجد والجدة، ثم نظر إلى المكان حوله بعناية.

قال أحد الضباط:

"لا توجد علامات واضحة على اقتحام الباب."

أجابه المحقق:

"وإذن، يبدو أن القاتل دخل بطريقة أخرى."

"هل نعرف من فعلها؟"

هز المحقق رأسه.

"ليس بعد."

ثم نظر إلى صورة عائلية قديمة فوق الطاولة.

كان فيها الجد والجدة...

وفتاة صغيرة تضحك بينهما.

إيلينا.

قال المحقق:

"لكن علينا أن نعرف لماذا قُتلا."

وفي مكان بعيد...

كان شخص يراقب صورة إيلينا على شاشة هاتفه.

لم يكن المكان واضحًا.

ولا هوية الشخص.

قال بصوت هادئ:

"لقد غادرت أوريكا أخيرًا."

جاءه صوت من الطرف الآخر:

"وماذا نفعل الآن؟"

صمت الرجل لحظة.

ثم قال:

"لا شيء."

"لكنها ستعود."

ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه.

"أعرف."

انطفأت الشاشة.

ولم تعرف إيلينا بعد...

أن عودتها إلى أوريكا لن تكون مجرد عودة إلى منزل جدها وجدتها.

بل ستكون أول خطوة نحو ماضٍ أخفاه عنها الجميع.

نهاية الفصل الأول.

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد