الفصل 1

لقاء غير متوقع

640 كلمة · ≈3 دقيقة قراءة

كانت شمس بنغازي تميل نحو الغروب، والمدينة تغتسل بضياء برتقالي ينعكس على الواجهات القديمة. في شارع مزدحم، يقع مطعم الضيافة، حيث يعمل همام كل مساء بعد انتهاء محاضراته في الجامعة.

كان يرتدي بدلة عمله المعتادة، ويُظهر ابتسامة خجولة على وجهه وهو ينقل الأطباق بين الطاولات، محاولًا أن يوازن بين ضغط العمل وأحلامه الأكاديمية.

داخل المطعم، كان الجو يعج برائحة الطعام، وصوت الملاعق يختلط بأحاديث الزبائن.

وبينما كان همام يحمل العصير متجها نحو إحدى الطاولات، دخلت مجموعة من الفتيات، يضحكن بخفة، يتبادلن أطراف الحديث.

لم يكن يتوقع أن يرى بينهن وردة، زميلته في الجامعة، التي اعتاد أن يراها في قاعات المحاضرات فقط.

1000150185.jpg

توقفت وردة فجأة، وعيناها تتسعان بدهشة وهي تراه يعمل هناك.

وردة (بصوت منخفض):

همام؟! أنت تعمل هنا؟

همام (يبتسم بخجل):

نعم… أدرس صباحًا وأعمل مساءً، لا خيار أمامي غير ذلك.

وردة (تجلس وهي تراقبه):

لم أكن أعلم… لكن هذا يجعلك أكثر جدية مما ظننت.

جلسَت مع صديقاتها، لكن عينيها بقيتا تتابعانه وهو يتحرك بين الطاولات. كان في داخله شعور غريب، مزيج من الحرج والفخر، كأنه كشف جانبًا من حياته لم يكن يتوقع أن تراه وردة. وبينما كان يقدم لهن العصير، اقترب منها قليلًا.

1000150187.jpg

همام (بصوت هادئ):

هل أعجبك المكان؟

وردة (تبتسم):

الجو جميل… لم أكن أعرف أن مطعم الضيافة بهذا الازدحام.

كان الحوار قصيرًا، لكنه ترك أثرًا في قلب همام. شعر أن هذه اللحظة قد تكون بداية شيء مختلف، شيء يتجاوز حدود الجامعة. ومع ذلك، كان حذرًا، يعرف أن عمله لا يسمح له بالكثير من التوقف.

أنهى همام عمله تلك الليلة وهو يشعر أن المطعم لم يعد مجرد مكان لكسب الرزق، بل أصبح مسرحًا للقاء غير متوقع قد يغير مسار حياته.

أما وردة، فقد غادرت المطعم تلك الليلة وهي تحمل في ذهنها صورة جديدة عن همام، صورة لشاب يكافح بصمت، ويخفي وراء ابتسامته قصة لم تُروَ بعد.

في اليوم التالي، عاد همام إلى مطعم الضيافة قبل الغروب، يعدل بدلته ويستعد لاستقبال الزبائن. كان الجو أكثر ازدحامًا من الليلة السابقة، والطلبات تتوالى بسرعة. وبينما كان يضع الأطباق على الطاولات، لمح وردة تدخل مرة أخرى، هذه المرة وحدها، بخطوات واثقة.

اقتربت وجلست في زاوية هادئة، وكأنها أرادت أن تمنحه فرصة للحديث بعيدًا عن صخب الزبائن.

1000150189.jpg

همام (بابتسامة خفيفة وهو يقدم لها قائمة الطعام):

لم أتوقع أن أراك هنا مرة أخرى.

وردة (تنظر إليه بثبات):

ربما أردت أن أفهم أكثر… كيف تستطيع أن توازن بين كل هذا؟ الدراسة والعمل معًا؟

همام (يتنهد وهو يضع يده على الطاولة للحظة):

الأمر ليس سهلًا، لكنني لا أملك خيارًا. أحيانًا أشعر أنني أعيش حياتين مختلفتين، طالب في النهار، وعامل في الليل.

كان الحوار قصيرًا لكنه عميق، يكشف عن جانب من شخصية همام لم يكن أحد يعرفه. وردة بدت مهتمة، ليست بدافع الفضول فقط، بل بشيء من الإعجاب الصامت.

في تلك اللحظة، كان «عزيز»، صاحب المطعم، يراقب من بعيد، عيناه لا تفارقان الطاولة التي التقى عندها همام ووردة. بدا واضحًا أن استياءه يتصاعد، لكنه لم يتدخل بعد. اكتفى بعبوس صامت، وكأن شيئًا ما يغلي في داخله.

همام شعر بضغط خفي، يعرف أن صاحب المطعم لا يحب أن يرى موظفيه منشغلين بغير العمل. لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الحديث مع وردة، فقد كان هذا اللقاء بالنسبة له متنفسًا وسط حياة مزدحمة بالمسؤوليات.

وردة (بصوت هادئ):

أحيانًا، العمل يكشف عن قوة الإنسان أكثر من الدراسة. أعتقد أنك أقوى مما تظن يا همام.

همام (يبتسم بخجل):

كلماتك تعني لي الكثير يا وردة.

غادرت وردة بعد قليل، لكن همام بقي واقفًا للحظة، يراقب الباب الذي خرجت منه، يشعر أن شيئًا جديدًا بدأ يتشكل في حياته. ومع ذلك، كان يدرك أن هذه العلاقة الصغيرة قد تجلب له مشاكل، خاصة مع عزيز الذي بدا وكأنه يترقب اللحظة المناسبة للتدخل.

1000150191.jpg

في نهاية الليلة، وبينما كان همام يجمع الأطباق قبل مغادرته، لمح عزيز يقترب منه ببطء، نظراته حادة وصمته ثقيل. لم يقل شيئًا بعد، لكنه ترك وراءه شعورًا بالتهديد، كأن المواجهة قادمة لا محالة.

كان همام يعلم أن الغد لن يكون مثل الأمس، وأن هذا الخيط البسيط الذي جمعه بوردة قد يتحول إلى عقدة أكبر، عقدة ستكشف أسرارًا لم يكن يتوقع أن يواجهها.

قيّم هذا الفصل

/10

لا توجد تقييمات بعد